من سنن الله في الكون

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فقد حث الله تعالى على النظر والتأمل والتدبر في آياته الكونية والشرعية؛ فقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ} سورة آل عمران(190)، وقال: {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} سورة ق(6)، وقال تعالى: {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ* وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} سورة الغاشية (17)(20). وقال تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ} سورة آل عمران(137)، وقال تعالى: {سُنَّتَ اللَّهِ الَتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُونَ} سورة غافر(85)، وقال تعالى: {إلاَّ أَن تَاًتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ} سورة الكهف(55).

وسنن الله في هذا الكون تسير على وفق ما أراد الله -سبحانه- فلا تتغير ولا تتبدل ولا تتحول، ولا تحيد ولا تميل، ولا تجامل ولا تحابي، ولا تتأثر بالأماني وإنما بالأعمال، قال تعالى: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تََجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} سورة فاطر(43)، وقال تعالى: {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} سورة الإسراء(77).

وفي هذا الدرس سنتعرف -بإذن الله- على بعض آيات الله وسننه في هذا الكون، فنقول وبالله وحده نستعين..

السنة الأولى: سنة الابتلاء، يقول الله -سبحانه وتعالى-: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ} سورة العنكبوت(2، 3) فهذه سورة العنكبوت تسمى سورة الابتلاء والامتحان؛ يقول ابن القيم-رحمه الله-: “ذكر سبحانه –أي في هذه السورة- ابتلاء نوح بقومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وابتلاء قومه بطاعته فكذبوه فابتلاهم بالغرق، ثم بعده بالخرق، ثم ذكر ابتلاء إبراهيم بقومه وما ردوا عليه وابتلاهم بطاعته ومتابعته، ثم ذكر ابتلاء لوط بقومه وابتلاءهم به وما صار إليه أمره وأمرهم، ثم ذكر ابتلاء شعيب بقومه وابتلاءهم به وما انتهت إليه حالهم وحاله، ثم ذكر ما ابتلى به عادا وثمود وقارون وفرعون وهامان وجنودهم من الإيمان به وعبادته وحده، ثم ما ابتلاهم به من أنواع العقوبات، ثم ذكر ابتلاء رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- بأنواع الكفار من المشركين وأهل الكتاب، وأمره أن يجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن، ثم أمر عباده المبتلين بأعدائه أن يهاجروا من أرضهم إلى أرضه الواسعة فيعبدونه فيها، ثم نبههم بالنقلة الكبرى من دار الدنيا إلى دار الآخرة على نقلتهم الصغرى من أرض إلى أرض، وأخبرهم أن مرجعهم إليه فلا قرار لهم في هذه الدار دون لقائه، ثم بين لهم حال الصابرين على الابتلاء فيه بأنه يبوئهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، فسلاهم عن أرضهم ودارهم التي تركوها لأجله وكانت مباء لهم بأن بوأهم دارا أحسن منها، وأجمع لكل خير ولذة ونعيم مع خلود الأبد، وأن ذلك بصبرهم على الابتلاء وتوكلهم على ربهم، ثم أخبرهم بأنه ضامن لرزقهم في غير أرضهم كما كان يرزقهم في أرضهم فلا يهتموا بحمل الرزق، فكم من دابة سافرت من مكان إلى مكان لا تحمل رزقها ! ثم أخبرهم أن مدة الابتلاء والامتحان في هذه الدار قصيرة جدا بالنسبة إلى دار الحيوان والبقاء، ثم ذكر سبحانه عاقبة أهل الابتلاء ممن لم يؤمن به، وأن مقامهم في هذه الدار تمتع وسوف يعلمون عند النقلة منها ما فاتهم من النعيم المقيم وما حصلوا عليه من العذاب الأليم، وذكر عاقبة أهل الابتلاء ممن آمن به وأطاع رسله وجاهد نفسه وعدوه في دار الابتلاء ما به هاديه وناصره، فأخبر سبحانه أن أجلّ عطاه وأفضله في الدنيا والآخرة هو لأهل الابتلاء الذين صبروا على ابتلائه، وتوكلوا عليه، وأخبر أن أعظم عذابه وأشقه هو للذين لم يصبروا على ابتلائه وفروا منه وآثروا النعيم العاجل عليه.. فمضمون هذه السورة هو سر الخلق والأمر، فإنها سورة الابتلاء والامتحان، وبيان حال أهل البلوى في الدنيا والآخرة، ومن تأمل فاتحتها ووسطها وخاتمها وجد في ضمنها أن أول الأمر ابتلاء وامتحان ووسطه صبر وتوكل وآخره هداية ونصر والله المستعان”1.

وهذه السنة ثابتة غير متغيرة؛ فهذا ورقة بن نوفل الذي كان لديه علم بما عند أهل الكتاب يقول للنبي بعد سماعه خبر نزول الوحي لأول مرة كما أخرج ذلك البخاري: “يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حيّاً إذ يخرجك قومك”، فيسأله النبي -صلى الله عليه وسلم- في تعجب : (أَوَ مخرجي هم؟!)، قال: “نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي”. وهذا قيصر الروم يقول في حديثه مع أبي سفيان كما في البخاري: “سألتك كيف كان قتالكم إياه، فزعمت أن الحرب سجال ودول، فكذلك الرسل : تبتلى، ثم تكون لهم العاقبة”.. وجاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم عن عياض بن جمار المجاشعي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (… إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان، وإن الله أمرني أن أحرق قريشاً، فقلت: ربي، إذاً يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة، قال: استَخْرِجْهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك).

فالابتلاء وسيلة هامة لتمييز الصفوف، وتمحيص القلوب، ومعرفة المؤمن الصادق من المنافق المخادع، والعدو من الصديق، كما قال بعضهم:

جزى الله الشدائد كل خير *** وإن كانت تغصصني بريقي

وما حـبي لها إلا لأنـي *** عرفت بها عدوي من صديقي

فالصادق والكاذب لا يُعرفون إلا في وقت الشدة والمحنة والابتلاء، ويشهد لذلك قصة الملأ من بني إسرائيل كما في سورة البقرة فلم يثبت منهم إلا فئة قليلة من الذين كان إيمانهم راسخاً ثابتاً في قلوبهم فلم يتزلزلوا ولم يتضعضعوا، بل قالوا كما حكى الله عنهم: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ} سورة البقرة(249)، وقد بين ذلك الأستاذ محمد قطب فضرب لذلك مثلا فقال: “أرأيت لو أنّ قائداً أراد إعداد جنوده للفوز في معركة صعبة ضارية، أيكون من الرحمة بهم أن يخفف لهم التدريب، ويهوِّن لهم الإعداد، أم تكون الرحمة الحقيقية بهم أن يشدد عليهم في التدريب، على قدر ما تقتضيه المعركة الضارية التي يعدِّهم من أجلها؟ والمؤمنون هم حزب الله وجنوده ولله المثل الأعلى والمعركة التي يعدهم من أجلها هي المعركة العظمى: “معركة الحق والباطل، التي ينصر فيها الله الحق على يد أولئك الجنود حسبما اقتضت مشيئته وجرت سنته”2.

السنة الثانية: التمحيص، وهذه السنة تعتبر نتيجة مترتبة على سنة الابتلاء وفائدة لها؛ فيمحص الله بالابتلاء ما في الصدور، ويخرج ما في القلوب؛ كما قال تعالى: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} سورة آل عمران(154)، وقال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} سورة آل عمران(179)، قال ابن القيم -رحمه الله-: “ما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمنين بالمنافقين حتى يميز أهل الإيمان من أهل النفاق كما ميزهم بالمحنة يوم أحد”3.

السنة الثالثة: سنة التمكين، وهذه السنة لا تتحق إلا بعد سنة التمحيص، فهذا الإمام الشافعي-رحمه الله- يسأل: “أيما أفضل للرجل: أن يمكّن أو يبتلى؟ فقال: لا يمكّن حتى يبتلى، فإن الله ابتلي نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- فلما صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم البتة”4. فهذه السنن مرتبطة ببعضها، فلا تمكين بلا تمحيص، ولا تمحيص بلا ابتلاء؛ إذ متى تحققت أوائلها تحققت أواخراها..

السنة الرابعة: سنة التغيير، قال الله سبحانه: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} سورة الرعد(11)، فلن يغير الله حال أمة أو قوم حتى يغيروا ما أنفسهم، فإذا وجد التغير من قوم غير الله حالهم، فإذا كان التغير إلى الأفضل كانت النتيجة مشرفة، وإنا التغير -والعياذ بالله- إلى الأسوأ كانت النتيجة مخزية-نسأل الله العافية والسلامة-؛ قال العلامة ابن القيم-رحمه الله-:”فأخبر الله تعالى إنه لا يغير نعمته التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه، فيغير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غير غيّر عليه جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد؛ فإن غير المعصية بالطاعة غير الله عليه العقوبة بالعافية، والذل بالعز”5، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} سورة الرعد(11)، قال القرطبي-رحمه الله- عند تفسيره لهذه الآية: “أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يغير ما بقوم حتى يقع منهم تغيير إما منهم، أو من الناظر لهم، أو ممن هو منهم بسبب؛ كما غير الله بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة بأنفسهم إلى غير هذا من أمثلة الشريعة، فليس معنى الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه ذنب، بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير كما قال صلى الله عليه وسلم وقد سئل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم إذا كثر الخبث)6..

السنة الخامسة: المداولة، وذلك بأن تداول الأيام بين الناس، فالأحوال لا تدوم على أحد لا دول ولا قبائل ولا أفراد، بل تدال من الشدة إلى الرخاء، ومن الرخاء إلى الشدة، ومن النصر إلى الهزيمة، ومن الهزيمة إلى النصر، قال تعالى: {إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} سورة آل عمران(140).

هي الأمور كما شاهدتها دول *** من سره زمن ساءته أزمان

وهذه الدار لا تبقي على أحد ***ولا يدوم على حال لها شان

فهذه بعض سنن الله في الكون لا تحابي ولا تجامل أحداً بل هي سائرة على وفق ما أراد الله تعالى، كما قال: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} سورة الفتح(23)،

واللهَ نسأل أن يغير حال المسلمين من الضعف إلى القوة، والذلة إلى العزة، والهزيمة إلى النصر، ومن الفقر إلى الغنى، ومن المرض إلى الصحة. اللهم وفقنا وجميع المسلمين لطاعتك، وجنبنا معصيتك، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

1 شفاء العليل، صـ(247).

2 حول التفسير الإسلامي للتاريخ، صـ( 111) لمحمد قطب.

3 زاد المعاد(3/196).

4 الفوائد، صـ(208) لابن القيم.

5 الجواب الكافي(49).

6 الحديث أخرجه البخاري ومسلم، وللمزيد يراجع: الجامع لأحكام القرآن(9/247).

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s