الإنسان المبتلى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شُرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلّ له، ومَن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)).
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)).
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)).
* أما بعد:
فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وأحسنَ الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدَثة بِدعةٌ، وكل بِدعة ضلالةٌ، وكل ضلالةٍ في النار.
عباد الله أيها المسلمون: ((هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)).
قضية الإنسان في القرآن قضية كبرى، والله عز وجل يُلاحق حياة الإنسان قبل أن تحمل به أُمه، وقبل أن يكون نطفة، وقبل أن تضعه أُمه على الأرض، ناشِئاً وصبياً، ثم طفلاً، ثم شاباً قوياً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم ينتقل إلى الله.
((وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)) هذا هو الميثاق الغليظ أخذه الله على الناس وهم في أصلاب أبيهم آدم فدلَّهم على التوحيد.
مَن هو ربكم؟
مَن هو إلهكم؟
مَن القادر الذي يخلقكم؟
مَن الذي يستحق العبادة؟
أيها الإنسان تأمل كيف تحملك أُمُّك في بطنها تسعة أشهر فإذا الله عز وجل يرعاك ويحفظك، ويجري لك الطعام والشراب وأنت في بطن أُمك، ثم إذا وضعتك أُمك، أجرى لك في ثديها لبناً دافئاً في الشتاء بارداً في الصيف، وألقى في فِطرَة أمك وأبيك حُباً لك، فلا ينامان حتى تنام، ولا يستريحان حتى تستريح.
وأول ما يُولَد الإنسان يكون باكياً، ولم نسمع في تاريخ الإنسان أن ذَكَراً أو أُنثى وُلِدَ وهو ساكت إلّا عيسى بن مريم عليه السلام، فما بكى، أما نحن جميعاً فقد بكينا يوم أتت بنا أُمهاتنا، قال بعض الفلاسفة: بكى الإنسان؛ لأنه خرج من السّعة إلى الضيق، وقال آخر: بكى الإنسان من هَول الابتلاء ومن عِظَم المشقة التي سوف يجدها من الضيق والغم والهم والحزن.
وقال آخر:بكى الإنسان؛ لأنه سوف يرى التكاليف أمام عينيه ((وَالله أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا)) أبكم أصم أعمى لا يأكل ولا يشرب ولا ينطق فتولّاه الله ((وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)).

ولدتك أُمك يا ابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سروراً
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتِك ضاحكاً مسروراً
يقول عليه الصلاة والسلام في الصحيح: (كلُّ مولودٍ يُولَد على الفِطرة) (1) ، فِطرَة الله فما هي تلك الفِطرَة؟
أيُولَد مُغَنياً مُطبلاً؟
أيُولَد ماجِناً مُمَثّلاً؟
أيولد مسرحياً معربداً؟
أيُولَد كُرَوِياً لاهياً؟
أيُولَد في يده الكأس في الليالي الحمراء؟
لا.. إنما يُولَد على لا إله إلا الله، يقع رأسه وهو متجه بفِطرته إلى الله ((فِطْرَةَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله))، ولكن مَن الذين بدلوا خلق الله وفِطرَة الله؟
إنهم العُمَلاء، إنهم الخَوَنَة، إنهم أعداء الإسلام، بدلوا الإنسان من إنسان إلى كلب، ومن مؤمن تقي إلى خنزير، ومن عبد صالح إلى بهيمة ((أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا))، ((وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بها)) كقلوب الحيوانات تماماً يحفظون ويقرؤون ويدرسون كل شيء إلا الدين، ويفهمون كل شيء إلا الإسلام، ويعرفون كل شيء إلا القرآن والسنة ((وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)) ويقع الإنسان ويتناوله الإسلام منذ اللحظة الأولى، فَيُسَن أن يُؤَذن في أُذُنِ المولود اليُمنَى كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم في أُذُن الحسن أول ما أتت به فاطمة البتول الزهراء -رضي الله عنها- أذَّن عليه الصلاة والسلام في أذنه، لماذا؟
لينشأ على التوحيد والإيمان، أخذ أُذُنه الضعيفة الرقيقة فاقترب منه عليه الصلاة والسلام، وقال: (الله كبر الله كبر..)، حتى أكمل الأذان؛ ليقع الأذان في قلبه، لينشأ عبداً مُصَلياً صائماً عابِداً ذاكِراً خيراً، لكن لما أتت التربية المعكوسة، ووُلِدَ الابن على الموسيقى الإيطالية، لا يعرف إلا المجلّة الخليعة، والسهرة الماجِنَة، ينشأ ويشبّ وهو يحفظ من الأُغنيات العشرات، ولا يحفظ من الآيات البينات شيئاً، ولذلك يقول الله للإنسان: ((يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)).
مَن الذي خدعك بهذه الطغمة الفاجرة والجُلَساء السوء، الذين حرفوك عن منهج الله؟
مَن زين لك أن تَحيد عن صراط الله المستقيم، وأن تتبع سُبُل المغضوب عليهم والضالين؟
((مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ)).
لكنه يوم شب وقوي وكبر كاهله نسي القرآن، وأصبح مُعَربِداً لا يعرف رباً ولا رسولاً ولا كتاباً.
أتى العاص بن وائل السهمي إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، والعاصي هذا كما يدل عليه اسمه عاصٍ لله، فاجر رعديد، عدو الإسلام، ليله خمر، ونهاره سُكر، عربدة وإلحاد وزندقة وانحراف وعداوة أكيدة لـ: لا إله إلا الله، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، أتى بعظم قديم وجعله في يده وفتته وقال:(يا محمد أتزعم أن ربّك يُعيد هذا العظم مرة ثانية؟
لأن الرسول عليه الصلاة والسلام، أتى يقول للناس: إن هناك حساباً، وإن هناك عقاباً، وإن هناك يوماً آخر، وإن هناك مصيراً محتوماً نقف كلنا أمام الله فيه.
فقال: أتزعم أن ربك يُعيد هذا العظم، ثم فتته الفاجِر ونفخه في وجه الرسول عليه الصلاة والسلام.
قال عليه الصلاة والسلام: نعم، يبعث الله هذا؛ يُميتك ثم يُحييك ثم يُدخِلك نار جهنم
) (1) .
وفي الجواب زيادة (ويُدخلك النار) لأنه عدو الله، واسمع إلى رد الله على هذا المجرم: ((وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا))، ولم يُسَمه؛ لأنه تافه حقير، بعض الناس حقيرِ ولو كان عظيماً في عيون الناس فكل مَن انحرف عن منهج الله فهو حقير ذليل صغير.
((وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مرة)).
إنك أيها المجرم لو نظرت إلى خلقك وأنت نُطفة، ثم نزلت ثم صرت طفلاً، ثم شابّاً، ثم كبرت، ثم أصبحت كهلاً، لأيقنت أن الله هو الخالق، هذه مراحل الإنسان، ومن صور اعتناء الإسلام بالطفل منذ ولادته، أنه حث على حسن اختيار اسمه حتى لا يصير الطفل أُضحوكة بين أصحابه وزملائه، لأننا نُدعى يوم القيامة بأسمائنا وأسماء آبائنا.
اسم جميل؛ عبد الله، عبد الرحمن، أحمد، محمد، ليست الأسماء الدخيلة التي حولت أجيالنا إلى جيل رخيص لا يحترم نفسه ولا دينه ولا قيمه ولا تاريخه ولا ثقافته، جيل مهزوم مهزوز إلا ما رحم ربك، ينشأ ويأكل ويشرب في بلادنا وأرضنا، ثم يحمل أشد العداوة للإسلام والمسلمين، يحمل اسماً غريباً، أتى اسمه من لندن و باريس ولم يأتِ من بلاد الإسلام من بلاد المصطفى عليه الصلاة والسلام:
من بلادي من بلادي يطلب الفهم ولا يطلب العِلمُ من الغرب الغبي
وبها مهبط وحي الله بل أرسل الله بها خيرَ نبي
ويصل الطفل إلى السابعة فيقول عليه الصلاة والسلام: (مُرُوا أبناءَكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع) (1) .
ويصل إلى الأربعين فإذا الله عز وجل يقول: ((إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ))، الأربعون تمام العقل، وتمام القوة، وتمام الإرادة والعزيمة، الأربعون رقي في الفهم، ونضوج في الإدراك والمعرفة.
يقول بعض العلماء: إذا بلغ ابنك الأربعين ولم يَهتَد فاغسل يديك منه؛ لأن الله يقول: ((حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي)) ولكن بعد أن يصل الأربعين ثم لا يهتدي، ثم لا يتعرف على بيوت الله، ولم يسجد لله، ولم يكن عبداً لله ولم يخلص لله، فاعلم أنه هالك إلا أن يتداركه الله عز وجل برحمته.
ويصل القرآن مع الإنسان فإذا شيبه قد أنذره، قال ابن عباس وهو يقرأ قوله سبحانه وتعالى: ((أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ)) قال: [النذير هو الشيب].
مَن شابَ رأسه، أو شابت لحيته، ثم لم يكن له رادع ولم يكن له منذرٌ وواعظ، فاعلم أنه رجل مخذول أصابه خذلان.
يقول الإمام أحمد إمام أهل السنة لما رأى الشيب في لحيته في المرآة: والله ما وصفت الشيب إلا كشيء كان في الشباب والله ما وصفت الشباب إلا كشيء كان في يدي ثم سقط.
يقول أبو العتاهية :
بكيت على الشباب بدمع عيني فلم يُغنِ البكاء ولا النحيب
ألا ليت الشباب يعود يوماً فأُخبره بما فعل المَشيب
أتدرون ماذا فعل المشيب؟
الآن الذين هم منا في السبعين والثمانين كَلت أبصارهم، وضَعُفَت أسماعهم، واحدودبت ظهورهم، وملّوا الحياة، لا نوم ولا هدوء ولا لذة للطعام، إلا مَن رَحِمَ الله عز وجل.
((وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ)) يُعمر في الحياة يعود فيصبح عقله كعقل الطفل، وإدراكه كإدراك الطفل، وفهمه كفهم الطفل.
يقول أحد الشعراء:
إذا الرجال ولدت أولادها وأخذت أسقامها تعتادها
وكثرت من مرض عوادها فهي زروع قد دنا حصادها
إذا الرجال ولدت أولادها: إذا أتى لأولادك أولاد وأصبحت جداً فانتظر الموت، وانتظر لقاء الله.
قال سفيان الثوري : مَن بلغ الستين فليَشتَرِ كفناً.
نام قيس بن عاصم عنده عشرة أبناء، وكان أغنى العرب، لكن كل شيء له دواء إلا الهَرَم، وكل شيء له علاج إلا كِبر السن، كان عنده عشرة من الأبناء وهو سيِّد قبيلة بني تميم، وعنده من الذهب ومن الفضة والإبل والبقر والغنم ما الله به عليم، لكن ما كان ينام الليل كان عمره ثمانين، إذا أتى لينام أتاه السعال والزفَرات والهم والغم فيقول له أبناؤه: أزعجتنا ما تركتنا ننام، فنظم قصيدة يقول:
قالوا أنينك طول الليل يُزعجنا فما الذي تشتكي قلت: الثمانين
أشتكي الثمانين وأبكي من الثمانين سنة.
لكن ما هو حُسْن الخِتام وما هو التاج الذي يمكن أن يتَوج به الإنسان في حياته؟
إنه العمل الصالح.
((وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ)) ويأتي الإسلام فيقول للإنسان: إذا أتتك سَكَرات الموت فاحرص على أن تموت على لا إله إلا الله، يقول عليه الصلاة والسلام: (مَن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) (1) ، حديث صحيح.
لكن كيف؟
لا يثبت على لا إله إلا الله إلا المؤمن، ولا يقولها في سَكَرَات الموت إلا مؤمن.
((يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ)).
ذكر الذهبي المحدث الكبير أن أبا زرعة المحدِّث رحمه الله حضرته سَكَرات الموت فأُغمي عليه فأراد تلاميذه أن يذكروه بـ: لا إله إلا الله وهو مُغمىً عليه ولكن استَحيَوا أن يقولوا له قل: لا إله إلا الله؛ لأنه إمام المسلمين أبو زرعة ، قالوا: نتذكر سند حديث: لا إله إلا الله فإذا ذكرناه السند سوف يتذكر المتن؛ لأنه محدّث، ولكنهم هم من هَول المصيبة وهَول الكارثهَ نسوا السند فقال أحدهم: حدثنا فلان عن فلان ثم سكت، وقال الثاني: حدثنا فلان عن فلان عن فلان ثم انقطع، فقال أبو زرعة : حدثنا فلان عن فلان حتى أتتم السند عن معاذ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:(من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) (1) ثم مات رحمه الله.
وأما ابن القيم فيحكي عن العابِثِين الماجِنِين السفهاء وهم في سَكَرات الموت فيقول:
قيل لسفيه مُعَربِد وهو في سَكَرات الموت: لا إله إلا الله، قال: أين الطريق إلى حمام منجاب؟
قال: فمات عليها لأنه عاش عليها ومَن شب على شيء شاب عليه ومات عليه.
((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)).
وقيل لأحدهم وهو في سَكَرات الموت: قل لا إله إلا الله، فأخذ يردد ما كان يستمع إليه في الدنيا من الأغاني فيقول: هل رأى الحب سُكارى مثلنا!!.
((يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ)).
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
في بعض المقررات الدراسية كلمة هي من الإلحاد.. كلمةُ زندقة، والإسلام منها بريء، وهي تصادم العقيدة مُصادمة كاملة مطلقة عامة، وهي قولهم في عبارتهم التي يحفظونها ويدرسونها: (المادة لا تُستَحدَث ولا تفنى) ويشرحون عليها قانوناً في الكيمياء ويؤصلونه على هذا المبدأ وهذه تعارض عقيدة أهل السنة ؛ بل أهل الإسلام قاطبة بما فيهم المبتدعة -المادة لا تُستَحدَث ولا تفنى- ومعنى لا تُستَحدَث أنها قديمة، وأنه لم يخلقها أحد، تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا ً((أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ))، ((وَالله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)) ((كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ))، ((كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ)) ومقصودهم من هذا أن الإنسان إذا مات فقد انتهى، قالوا: أرحام تدفع وأرض تبلع، وقالوا: إذا انتهى الإنسان عفى عليه النسيان، ولكن الله يقول: لا، والقرآن يقول: لا، ومحمد عليه الصلاة والسلام يقول: لا.
((يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا)) ((وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)).
((يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ))، ((قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا)) إنها الحياة الآخرة، وإنها الحقيقة الكبرى التي ينكرها أهل الإلحاد والزندقة.
يقول سبحانه وهو يسأل الناس يوم القيامة خاصّة الغافلين: ((قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ))، كم مكثتم؟
كم لكم من فترة يا أهل الثمانين ويا أهل المائة؟
بعض الصُّحُف المحلية تُلقي مقابلة مع بعض الناس قالوا: بلغ مائة وأربعين سنة، لكن تعال وابحث عن المحصول من مائة وأربعين سنة، لا شيء، يسألونه ماذا يفطر في الصباح؟
وما هي وجبة الغذاء؟
وماذا يُجيد من العرضات الشعبية،والمُسامَرات والقصائد النبطية؟
ولكن لا آية، ولا حديث، ولا نافِلَة، ولا صيام، ولا ذِكر، ولا قيام ليل، ولا صِلَة رحم، كل هذه ما تعرض في الأسئلة، ولا يسألونه ما هو أثره على مجتمعه وأُسرته، أو على نفسه؟
ولا يسألونه ما هي آماله عن اليوم الآخر وما هي تطلّعاته؟
إنما هي هذه الأسئلة.
فيقول لسان الحال: ليت هذا العمر الطويل لشيخ الإسلام ابن تيمية أو للإمام أحمد : ((قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ)) الله يعلم كم لبثوا.
((قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ)).
يقولون: لبثنا يوماً واحداً في الحياة فأدركهم الورع وخافوا أن يكذبوا، فقالوا:بعض يوم، نصف يوم ليس يوماً كاملاً ((فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ)) يقولون لله: اسأل الملائكة والكَتَبَة نحن لا ندري.
قال الغزالي : من دهش الموقف ما دروا كم لبثوا، لا إله إلا الله إذا بلغ بك الحال يوم القيامة أنك لا تعرف عمرك فيا له من يوم ما أشده وما أهوَله، فقال سبحانه: ((قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ)).
والإنسان جحود يقول عليه الصلاة والسلام: (نسي آدم فنسيت ذريته وجحد آدم فجحدت ذريته) (1) .
والسبب: (أن آدم عليه السلام نثر الله ذريته أمامه -كلنا نثرنا أمام آدم– كصورة الذر فرأى داود ابنه عليه السلام وهو يزهو أمام هذا الذر قال: يا ربي من هذا؟
قال: ابنك داود. قال: كم عمره؟
قال: ستون سنة. قال: يا رب زده من عمري أربعين سنة، فزاده الله.
((يَمْحُوا الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)) فلما حضرت آدم الوفاة عجل الله وفاته قبل أربعين، قال: يا ربي بقي من عمري أربعون سنة. قال: أولم تعطها ابنك داود ؟
فقال صلى الله عليه وسلم: فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته) (1) .
((قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى الله الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ)).
ولكن أمام نسيان الإنسان وجحود الإنسان يخرج الله له كتاباً منذ أتت به أمه إلى أن يموت.
((اقْرَأْ كِتَابَكَ)) ولا يقرؤه غيره، الأمي والمتعلم، والجامعي والتاجر، والفلاح وراعي الغنم، كلهم يقرؤون.
((اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا)) فيقرأ الإنسان يوم كذا فعلت كذا وكذا، ويوم كذا قلت كذا وكذا، فيطوي الإنسان كتابه ويقول: ((وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)).
* أيها الناس! من هذه الخطبة نأخذ دروساً:
أولها: أن الإسلام معك وأنت في بطن أمك حتى تدخل الجنة أو تدخل النار والعياذ بالله من النار.
الأمر الثاني: إنك لست متروكاً هملاً ولا سدى؛ بل معك وحي من الله، لا تسير خطوة، ولا تنام، ولا تستيقظ، ولا تأكل، ولا تشرب، ولا تتحدث، إلا والوحي معك.
((قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ)).
الأمر الثالث: أن الذي لا يضبط حركاته وسكناته مهتدياً بالوحي فهو سفيه؛ لأنه أعرض عن الرسالة الخالدة، والتمس العز في غير هدي محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ((وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ الله اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)).
الأمر الرابع: أننا لسنا في حاجة لأي مبدأ أو أي قانون أو أي رسالة أو أطروحة غير رسالة محمد عليه الصلاة والسلام.
فيا أيها المسلمون! فلنعد إلى القرآن والسنة، ولنستهد بهدي الله الذي أرسل به محمداً عليه الصلاة والسلام، فإن كل قلب ملعون إلا قلب أشرقت عليه شمس الرسالة، وكل أرض مغضوب عليها إلا أرض هيمن عليها هذا الدين، ومن اعتقد أنه سوف يهتدي بهدي غير هدي الله الذي أرسل به محمداً عليه الصلاة والسلام، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
أيها الناس صلوا وسلموا على رسول الهداية وعلى معلم البشرية، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
عباد الله: ((إِنَّ الله وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)).

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s