خطوات عملية لاستثمار يوم عرفة العظيم

١- تعظيم هذا اليوم بتذكّر فضله ومكانته عند الله كيف وقد أقسم به ( وشاهدٍ ) وقد انضم إليه هذا العام يوم الجمعة ( ومشهودٍ ) وقال عليه الصلاة والسلام : “خير يوم طلعت عليه الشمس يوم عرفة”.

٢- أن يعيش المسلم بقلبه حال النبي صلى الله عليه وسلم لما وقف في هذا اليوم وصلى وخطب بالناس

٣- استحضار منّة الله بإكمال الدين يوم عرفة وإتمام النعمة بعد السلسلة الطويلة من آيات التوحيد والقصص والأحكام واستحضار أن هذا كان عيدا عظيما لأهل الإسلام

٤- التأمل في مباهاة الله بأهل عرفة : ماذا أراد هؤلاء ؟ أنظروا إلى عبادي جاءوني .. وتحريك القلب

٥- النية من الليل لصيام عرفة ليكتمل الأجر فصيامه يكفّر سنة ماضية وسنة آتية

٦- الأعمال الصالحة فيه كغيره من أيام العشر وسائر أيام السنة ؛

كقيام الليل ،

والاستغفار بالسّحَر ،

وصلاة الجماعة في المسجد ،

والتبكير إليها ،

والجلوس بعد الفجر لذكر الله للرجل في المسجد وللمرأة في مصلاها في البيت ،

والرباط بانتظار الصلاة بعد الصلاة ،

وشغل الوقت بالقرآن تلاوة وحفظا وتفسيرا وتدبرا ومدارسة ،

وأذكار الصباح والمساء ،

والإكثار من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والتأكيد على هذا الأخير مطلقا في العشر ومقيدا بأدبار الصلوات من بعد فجر يوم عرفة ، والتبكير ليوم الجمعة الذي يوافق عرفة هذا العام .

٧- استجماع شروط الدعاء وآدابه من الإخلاص والرجاء واليقين وحسن الظن والجزم في المسألة والانكسار والتضرع والطهارة واستقبال القبلة والسؤال بالأسماء الحسنى والأدعية القرآنية والنبوية وجوامع الدعاء والاعتراف بالذنب وطلب المغفرة والرحمة ورفع اليدين وتكرار الدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وطيب الكسب

٨- استثمار اللحظات العظيمة قبل المغرب من اجتماع ساعة الاستجابة يوم الجمعة و (خير الدعاء دعاء يوم عرفة) ، وإذا بكّر قبل المغرب ينتظر الصلاة ويدعو لعله يوافق ساعة الاستجابة في هذا اليوم العظيم ، فكيف إذا كان صائما في بلده

٩- للحجاج النصيب الوافر ولأهل البلدان نصيب إن شاء الله من ذكر عرفة ( خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) .

ومن جزاء ( ما من يوم أكثر من أن يُعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة )

١٠- رجاء فضل الله العظيم وواسع رحمته ، وفضل يوم عرفة لمن كان في عرفة وفي باقي البقاع ، وأن الفضل لليوم ، وأن الدعاء عام للحجاج وغيرهم ولكن من كان في عرفة فقد جمع بين فضل المكان والزمان

والعتق منَ النار في يوم عرفة عام لجميع المسلمين؛ “مَن وقف بعرفة ومَن لم يقف بها من أهل الأمصار”. ابن رجب

اللهم ارحمنا واغفر لنا وتب علينا وأدخلنا الجنة ونجنا من عذاب النار يا غفار.

أثر أعمال الجوارح على القلوب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.. أما بعد:

فإن الحديث عن عمل القلب وأهميته وتفصيل ذلك وبيان ارتباط أجزاء الإيمان بعضها ببعض من خلال ارتباط أعمال الجوارح به، وكونها فرعاً له، وصورة لما فيه، ومقتضى لازماً له لا يعني أن أعمال الجوارح من الطاعات أو المعاصي لا تؤثر هي الأخرى على عمل القلب, وإننا في هذه السطور سنبين بمشيئة الله تعالى أثر المعاصي وأثر الطاعات على القلب.

أولاً: أثر الذنوب والمعاصي الظاهرة على القلب:

آثار المعاصي على القلب كثيرة جداً، وقد فصل الإمام الرباني ابن القيم -رحمه الله تعالى- كثيراً منها في كتابه “الجواب الكافي” وقد ذكر منها:

1- حرمان العلم النافع: فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئه، ولهذا كان السلف يرشدون تلاميذهم إلى ترك المعاصي؛ لكي يورثهم الله حقيقة العلم.

2- الوحشة بين العبد وربه: وهي وحشة لو اجتمعت لصاحبها ملذات الدنيا كلها لم تذهبها، ومن علاماتها وفروعها الوحشة بينه وبين أهل التقوى والإيمان.

3- الظلمة التي يجدها العاصي في قلبه: فإن الطاعة نور والمعصية ظلمة، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في البدع والضلالات.

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: “إن للحسنة ضياء في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القبر والقلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق”.

4- وهن القلب: فلا تزال المعاصي توهنه حتى تزيل حياته بالكلية، وهذا الوهن يظهر أثره على البدن، فتأمل قوة أبدان فارس والروم كيف خانتهم عند أحوج ما كانوا إليها, وقهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم.

5- تقصير العمر ومحق البركة: إذ بمقدار ما تمرض القلب وتذهب حياته فإن حقيقة الحياة هي حياة القلب، وعمر الإنسان هو مدة حياته، فكلما كثرت الطاعة زادت حياته، فزاد عمره الحقيقي، وكلما كثرت المعاصي أضاعت حياته وعمره.

6- أن العبد كلما عصى خفت عليه المعصية حتى يعتادها: وبذلك يموت إنكار قلبه لها، فيفقد عمل القلب بالكلية، حتى يصبح من المجاهرين بها، المفاخرين بارتكابها، وأقل ذلك أن يستصغرها في قلبه ويهون عليه إتيانها حتى لا يبالي بذلك وهو باب الخطر.

روى البخاري في صحيحه عن ابن مسعود –رضي الله عنه- قال: “إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا قال أبو شهاب بيده فوق أنفه”1.

7- الذل: فالمعصية تورث الذل ولا بد؛ فالعز كل العز في طاعة الله تعالى، قال سبحانه: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} (10) سورة فاطر. أي فليطلبها بطاعة الله، فإنه لا يجدها إلا في طاعته, وكان من دعاء السلف: “اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك”. وقال الحسن البصري –رحمه الله-: “إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين فإن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه”.

وقال عبد الله بن المبارك –رحمه الله-:

رأيت الذنوب تميت القلوب
وترك الذنوب حياة القلوب
وهل أفسد الدين إلا الملوك

وقد يورث الذلَّ إدمانُها
وخير لنفسك عصيانها
وأحبار سوء ورهبانها؟!

8- الصدى والرَّان والطبع والقفل والختم: وذلك أن القلب يصدأ من المعصية، فإذا زادت غلب عليه الصدأ حتى يصير راناً كما قال تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (14) سورة المطففين. ثم يغلب حتى يصير طبعاً وقفلاً وختماً، فيصير القلب في غشاوة وغلاف، فإذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة انتكس فصار أعلاه أسفله فحينئذ يتولاه عدوه ويسوقه حيث أراد، وبمثل هذا اتخذ الشيطان من البشر دعاة وجنوداً.

9- إطفاء الغيرة من القلب: وهي الغيرة على محارم الله أن تنتهك، وعلى حدوده أن تقتحم، وعلى دينه أن يضعف أو يضيع، وعلى إخوانه المسلمين أن يهانوا أو يبادوا، بل على أهله ونفسه أن يقعوا في المعصية والهلاك، ولهذا كان النبي –صلى الله عليه وسلم- أغير الناس، كما ثبت في الصحيح أنه قال: ((أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير مني))2؛ فالمعاصي تضعف هذه الغيرة حتى تذهبها وتزيلها، ولهذا تجد المدمنين على المعاصي لا يبالون بما حل بالإسلام وأهله من كوارث ومحن، ولا يهمهم ذلك في شيء، وإنما همهم اتباع الشهوات وإضاعة الأوقات، ويرى الواحد منهم المنكر أمامه فلا تهتز له شعرة بل يفقدون الغيرة الخاصة، وهي الغيرة على العرض حتى تصير الدياثة فيهم طبعاً وسجية.

10- إذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب، وهو أصل كل خير، وذهابه ذهاب كل خير بأجمعه, والذنوب تضعف الحياء في العبد حتى ربما انسلخ منه بالكلية، فلا يستحيي لا من الله ولا من العباد، والتلازم بين ارتكاب المحرمات وقلة الحياء لا يخفى على أحد.

11- إذهاب تعظيم الله ووقاره من القلب: فكما أن تعظيم الله وتوقيره يحجز عن المعصية، فإن ارتكاب المعصية يضعف التعظيم والتوقير، حتى يستخف العبد بربه، ويستهين بأمره ولا يقدره حق قدره.

12- مرض القلب وإعاقته عن الترقي في مراتب الكمال ودرجاته: فالذنوب تخرج صاحبها من دائرة اليقين وتنـزله من درجة الإحسان، بل تخرجه من دائرة الإيمان، كما في الحديث الصحيح: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن))3. فلا يبقى إلا اسم الإسلام بل ربما أخرجته منه؛ فإن المعاصي بريد الكفر.

13- إضعاف همة القلب وإرادته وتثبيطه عن الطاعة وتكسيله عنها، حتى يؤول به الأمر من الاستثقال إلى الكراهية والنفور، فلا ينشرح صدره للطاعة ولا يخرج ويضيق من معصية، ويصير جسوراً مقداماً على الخطايا جباناً بعيداً عن الحسنات رعديداً عليها.

14- الخسف بالقلب كما يخسف بالمكان وما فيه: فيخسف به بسبب ارتكاب الرذائل إلى أسفل سافلين وصاحبه لا يشعر، وعلامة ذلك الخسف أن يكون القلب جوالاً حول السفليات والقاذورات، متعلقاً بالمحقرات والأمور التافهات، عكس القلب الذي تزكى بالطاعات فصار جوالاً في معالي الأمور ومكارم الأخلاق, كما قال بعض السلف: “إن هذه القلوب جوالة فمنها ما يجول حول العرش، ومنها ما يجول حول الحش”.

15- مسخ القلب؛ فإن المعاصي والقبائح ما تزال تتكاثر عليه حتى تمسخ كما تمسخ الصورة فيصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته، فمن القلوب ما يمسخ على قلب خنـزير كقلب الديوث، ومنها ما يمسخ على قلب كلب أو حمار أو حية أو عقرب بحسب عمله، وقد شبه -سبحانه وتعالى- أهل الجهل والغي بالحمر تارة وبالكلب تارة وبالأنعام تارة، وربما وصل الأمر إلى المسخ التام، وهو مسخ الصورة مع القلب كما حصل لبني إسرائيل حين جعل الله منهم القردة والخنازير.

16- نكد القلب وقلقه وضنكه، وهذا ملازم للمعصية ملازمة الظل لأصله، كما قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (124) سورة طـه، فالمعرض عن ذكر الله متعرض لذلك، لكن قد يتوارى داؤه بسكرات الشهوات والعشق وحب الدنيا والرياسة إن لم ينضم إلى ذلك الخمر، كالمشاهد في عصرنا الحاضر من إدمان المسكرات والمخدرات تخلصاً من ضيق الحياة ونكد العيش.

إخوانـي:

هذه بعض آثار معاصي الجوارح على القلب وعمله، فهي تذهب رضاه ويقينه وصدقه وإخلاصه وتوكله ومحبته، بل تذهب قوته وحياته وصحته وراحته، وتجمع له بين ذهاب حقائق الإيمان وبين عقوبات آجلة وعاجلة، كما رأينا في هذه الآثار. نسأل الله العافية والسلامة.

ثانياً: آثار أعمال الطاعات بالجوارح في أعمال القلب:

إن الحديث عن أثر الطاعات بالجوارح على القلب ينوء بالمجلدات الكبار؛ وذلك أن هذه هي مادة قيامه وقوته وعزيمته، والجوارح هي منافذه وثغوره.

وهل في الإمكان استيعاب ما تورثه الصلاة من رضاً وطمأنينة وخشوع وإنابة، أو ما يورثه الصوم من يقين وتوكل وإخلاص، أو ما يورثه الجهاد من محبة واستسلام وثبات وهكذا سائر الطاعات!!

ولهذا كله سوف نختار طاعة واحدة قد لا يحسب لها حساب إلا عند الخاصة من الناس وهي طاعة غض البصر عن المحرمات, فما الذي تورثه طاعة هذه الجارحة على قلب العبد المؤمن؟.

إن مما تورثه هذه الطاعة من التأثير على القلب ما يلي:

1- أنه يمنع من وصول أثر السهم المسموم -والذي لعل فيه هلاكه- إلى قلبه؛ ذلك أن النظرة سهم من سهام إبليس, كما جاء ذلك في الأثر.

2- أنه يورث القلب أنساً بالله وقرباً منه؛ فإن إطلاق البصر يصرف القلب ويشتته ويبعده عن الله، ويوقع الوحشة بين العبد وربه.

3- أنه يكسب القلب نوراً -كما أن إطلاقه يكسبه ظلمة- ولهذا ذكر سبحانه آية النور عقيب الأمر بغض البصر فقال –جل وعلا-: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} (30) سورة النــور، ثم قال إثر ذلك: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} (35) سورة النــور، أي: مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه.

وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل جانب، كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان، فما شئت من بدعة وضلالة، واتباع هوى، واجتناب هدى، وإعراض عن أسباب السعادة واشتغال بأسباب الشقاوة، فإن ذلك إنما يكشفه له النور الذي في القلب، فإذا أفقد القلب ذلك النور بقي صاحبه كالأعمى الذي يجوس في حنادس الظلام.

4- أنه يقوي القلب ويفرحه، كما أن إطلاق البصر يضعفه ويحزنه، لكن قد لا يحس بذلك إلا ذو البصيرة.

5- أنه يورث الفراسة الصادقة التي يميزها بين المحق من المبطل، والصادق من الكاذب، فإن الله -سبحانه وتعال- يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، فإذا غض بصره عن محارم الله عوضه الله بأن يطلق نور بصيرته عوضاً عن حبسه بصره لله، ويفتح له باب العلم والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة التي إنما تنال ببصيرة القلب.

وضد هذا ما وصف الله به اللوطية من العُمْهِ الذي هو ضد البصيرة، فقال تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} (72) سورة الحجر, فوصفهم بالسكرة التي هي فساد العقل، والعمه الذي هو فساد البصيرة، ثم عقب الله تعالى على قصتهم بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ} (75) سورة الحجر، وفي ذلك إشارة إلى ما تقدم من العلم والإيمان والفراسة.

6- أنه يورث القلب ثباتاً وشجاعة وقوة، يجمع الله له بين سلطان البصيرة، والحجة وسلطان القدرة والقوة، وضد هذا تجده في المتبع هواه، من ذل النفس، ووضاعتها ومهانتها وخستها وحقارتها.

7- أنه يسد على الشيطان مدخله إلى القلب، فإنه يدخل مع النظرة وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي، فيمثل له صورة المنظور إليها، ويزينها ويجعلها صنماً يعكف عليه القلب ثم يعده ويمنيه، ويوقد على القلب نار الشهوة ويلقي عليه خطب المعاصي التي لم يكن يتوصل إليها بدون تلك الصورة، فيصير القلب في اللهب، فمن ذلك اللهب تلك الأنفاس التي يجد فيها وهج النار، وتلك الزفرات والحرقات؛ فإن القلب قد أحاطت به النيران من كل جانب، فهو في وسطها كالشاة في وسط التنور، ولهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات بالصور المحرمة أن جعل لهم في البرزخ تنور من نار، وأودعت أرواحهم فيه إلى حشر أجسادهم.

8- أنه يفرغ القلب للفكر في مصالحه والاشتغال بها، وإطلاق البصر يشتت عليه ذلك، ويحول بينه وبينها، فتنفرط عليه أموره، ويقع في اتباع الهوى، وفي الغفلة عن ذكر ربه، قال تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} (28) سورة الكهف, وإطلاق النظر يوجب هذه الأمور الثلاثة بحسبه.

9- أن بين العين والقلب منفذاً أو طريقاً يوجب اشتغال أحدهما عن الآخر، وأن يصلح بصلاحه ويفسد بفساده، فإذا فسد القلب فسد النظر، وإذا فسد النظر فسد القلب.

وكذلك في جانب الصلاح؛ فإذا خربت العين وفسدت خرب القلب وفسد، وصار كالمزبلة التي هي محل النجاسات والقاذورات والأوساخ، فلا يصلح لسكنى معرفة الله ومحبته والإنابة إليه والأنس به، والسرور بقربه وإنما يسكن فيه أضداد ذلك4.

كل هذه –أخي المسلم- إشارات إلى بعض فوائد غض البصر تطلعك على ما ورائها من الفوائد الأخرى، وهذه بعض فوائد طاعة واحدة، فيا ترى ما الفوائد الأخرى لغيرها من الطاعات المعلومة من الدين بالضرورة؟!

نسأل الله أن يوفقنا لطاعته، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته إنه سميع مجيب, وصلى الله على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين،،،

1 صحيح البخاري (ج 19 / ص 367).

2 رواه البخاري برقم (6340) (ج 21 / ص 128) ومسلم (2755) (ج 7 / ص 498).

3 رواه البخاري (2295) (ج 8 / ص 369) ومسلم (86) (ج 1 / ص 187).

4 استفيد الموضوع بتصرف يسير من كتاب ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي (ج 2 / ص 615-623) وكتاب الجواب الكافي لـ(ابن القيم –رحمه الله تعالى.

مقاومة الإغراءات للشيخ محمد صالح المنجد

أنواع الشهوات والإغراءات

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فإن الله سبحانه وتعالى خلق الجنة وخلق النار وجعل هاتين الدارين لعباده ولكل منهما ملؤها, الجنة والنار خلقهما الله تعالى وأرسل جبريل إلى الجنة, فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَرْسَلَ جِبْرِيلَ إِلَى الْجَنَّةِ فَقَالَ: انْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا.

قَالَ: فَجَاءَهَا وَنَظَرَ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا فِيهَا.

قَالَ: فَرَجَعَ إِلَيْهِ، قَالَ: فَوَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا. – طَمِعَ فِي دُخُولِهَا, وَجَاهَدَ فِي حُصُولِهَا-.

فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ. – وَالْمُرَادُ بِهَا التَّكَالِيفُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي هِيَ مَكْرُوهَةٌ عَلَى النُّفُوسِ الْإِنْسَانِيَّةِ –

فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهَا فَانْظُرْ إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا.

قَالَ: فَرَجَعَ إِلَيْهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ.

فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خِفْتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ.

قَالَ: اذْهَبْ إِلَى النَّارِ فَانْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، فَإِذَا هِيَ يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا.

فَرَجَعَ إِلَيْهِ.

فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلَهَا- لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا فَزِعَ مِنْهَا وَاحْتَرَزَ فَلَا يَدْخُلُهَا-

فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ.

فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهَا فَرَجَعَ إِلَيْهَا.

فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا)). رواه الترمذي(2483)، وغيره، وصححه الألباني.

وملخص الحديث ما جاء في رواية البخاري: ((حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره)) البخاري (6487)، هذا من بديع الكلام, الجنة محفوفة بالمكاره لا يمكن الوصول إلى الجنة إلا عبر المكاره, والذي يظن أنه يمكن أن يدخل الجنة من غير أن يقتحم المكاره فهو مخطئ, لا يمكن تدخل الجنة يا أخي ويا أيتها الأخت المسلمة إلا بالمكاره, ما تقتحم المكاره وتصبر على التكاليف وعلى المشاق لا يمكن تدخل, وكذلك النار لا يمكن دخول النار إلا بالشهوات, وإذا الإنسان ما اقتحم الشهوات لن يدخل النار لأنها حفت من جميع الجهات, ما في طريق للوصول إلا بهذا, هذه النار حفت بالشهوات؛

والشهوات إغراءات, الشهوات متعددة شهوة النساء شهوة المال شهوة المنصب شهوة الشهرة والنجومية هذا يغري وهذا يغوي هذا يجذب وهذا يردي حتى آخر لحظة الشيطان يعمل, الشيطان مخلوق من قبل آدم وسيبقى إلى آخر الزمان, هذا الشيطان طلب من ربه أن ينظره, أمهلني {أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (الأعراف:14).

الله عز وجل أعطاه ما طلب { فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} (الحجر:37-38) .

وهو يعمل في البشرية في إغوائها وإغرائها ويزداد الشيطان خبرة مع مرور أجيال البشرية وتعاقبها ولذلك ترى التفنن الشيطاني الآن في إغواء الناس لم يحصل له مثيل من قبل في تاريخ البشرية, ولا يوجد على البشرية وقت عمت فيه فتن الشهوات مثل هذا الزمان قائلاً متعهداً: { فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ*إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} (الحجر:40) .

قال عليه الصلاة والسلام: (( إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم, قال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني )). رواه الإمام أحمد(11255) وهو حديث حسن.

كيف سيتمكن من الإغواء؟ هو يقول: في كلامه {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ} (الأعراف:17) . من جميع الجهات من جميع الجوانب, وأيضاً قال: { لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ } (الحجر:39-40) , فما هو الإغواء؟ إنه التزين والتحسين للشر حتى يغري به, ولذلك كان أول ضحية للشيطان في قضية الإغواء آدم وحواء { فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا }(الأعراف:الآية20) . وأخرج الله الأبوين من الجنة بإغواء آدم, اختبار مقاومة الإغراء لم يصمد فيه أبونا وأمنا، وبعد التوبة صارا خير البشر في ذلك الوقت طبعاً, وقال الله: { يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ }(الأعراف: الآية27). ظل الإغراء هو الاختبار هو المحك لا تجتاز الخطر إلا بمقاومة هذا الإغواء والإغراء, هذا الطريق لإبليس ابتلى الله عباده به وجعل في الأرض أشياء تساعد على الانزلاق ويستعين بها إبليس في إغواء الناس { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ }(الكهف: الآية7) هناك مآكل لذيذة، مشارب، مساكن طيبة، مناظر بهيجة، رياض أنيقة، أصوات شجية، صور مليحة، أشكال جملية، فاتنة جذابة خلابة، ذهب فضة، مناصب شهرة، زينة فتنة اختبار, قال ابن القيم –رحمه الله-: (وكما ابتلاهم بأمره ونهيه يعني بالتكاليف الشرعية ابتلاهم بما زين لهم من الدنيا وبما ركب فيهم من الشهوات…) شفاء العليل لابن القيم.

قصة آدم تبيّن لنا أن القضية خطيرة؛ لأن أبانا أغراه الشيطان بتلك الشجرة بالمعصية, وهذا العمل الذي حصل لا شك أنه نتيجة الاستجابة للشهوة؛ لأنه قال: { شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى }(طـه: الآية120) فأتى آدم من أي باب؟ من باب حب البقاء والخلد والملك, وواعده وأغرَّه بوعده؛ لأنه لا يملكه, إبليس لا يملك الوعد, الشهوات أمر يستلذ به الإنسان, يصعب عليه تركه لماذا؟ لأنه يحبه في الداخل في انجذاب للشهوة, شهوة النساء شهوة المال شهوة الخلد المنصب, شهوة الشهرة, ولن يستكمل عبدٌ الإيمان ولا يكون مؤمناً حقاً حتى يؤثر دينه على شهوته, ولن يهلِك عبدٌ كما قال الفضيل بن عياض حتى يؤثر شهوته على دينه. السنة لعبد الله بن أحمد (2/266) .

الإغراء بالمرأة

الإنسان لا يضمن أن يغتر, (إني أخاف أن تدفق علي الدنيا دفقة فتغرقني) كما يقول بعض السلف. ذم الدنيا (302).

قال ابن الجوزي: (بلغني عن رجل كان ببغداد يقال له: صالح المؤذن أذن أربعين سنة, وكان يعرف بالصلاح أنه صعد يوماً إلى المنارة ليؤذن فرأى بنت رجل نصراني كان بيته إلى جانب المسجد فافتتن بها, – حب من أول نظرة افتتان من أول نظرة-, فجاء فطرق الباب فقالت: من؟ قال: أنا صالح المؤذن ففتحت له, فلما دخل ضمها إليه, قالت: أنتم أصحاب الأمانات فما هذه الخيانة, قال: سلبتي لبي وأخذتي بمجامع قلبي, قالت: لا إلا أن تترك دينك, قال: أنا بريء من الإسلام ومما جاء به محمد, – ليس فقط المبتعثون إلى الخارج ينزلقون بسرعة ممكن ناس في الداخل ينزلقون بسرعة, في ناس مستعدة تبيع المبادئ والأشياء بسرعة, وتغير بسرعة, (( يمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا )) مسلم (118) وأحمد (7970). يبيع دينه بعرض؛ تغير رهيب تغير سريع,- قالت لما دنا إليها: إنما قلت هذا لتقضي غرضك، كل من لحم الخنزير فأكل, اشرب الخمر فشرب, فلما دب فيه الشراب دنا إليها فدخلت بيتاً وأغلقت الباب, وقالت: اصعد إلى السطح حتى إذا جاء أبي زوجني منك, فصعد فسقط فمات, فخرجت فلفته في ثوب, فجاء أبوها فقصت عليه القصة, فأخرجه في الليل فرماه في السكة, فظهر حديثه وأمره وخبره، فرماه الناس في المزبلة)، ذم الهوى / 409 .

هذه المسألة قضية شكل يجذب, الآن الشيطان استعان بالمكياجات والعباءات الملونة والمزخرفة والمزركشة, والعطورات وما أدراك ما العطورات, بالإضافة إلى التهييج في عالم الأفلام والمسلسلات والمواقع والصور والجوالات وتقنية و(ثري دي), ولمعان وأشكال وأشياء تجعل الصورة أحسن من الأصل, هذه الأشياء التي تغوي اليوم وتغري فتجعل الواحدة تخرج للشارع من هول ما رأت تستوقف لموزين تركب معه تقول: اذهب مكان ما تريد وسوي الذي تريد ما عندي فلوس وطفشانه, ما هذا؟ بنات المسلمين وصلن إلى هذه الدرجة لماذا؟ يضعف الإيمان ما في تربية, يوجد إغراءات قوية ومثيرات للشهوات ماذا تتوقع؟ هذه النتيجة, ماذا يحدث بعد ذلك من اللعنة وغضب الرب وأولاد الحرام وانتهاك الأعراض, ماذا يحدث بعد ذلك من الفضيحة في الدنيا والآخرة, هذه عواقب المعصية وشؤم المعصية أشياء كبيرة, ولذلك أحياناً الواحد يأتي ببعض القضايا لا يجد لها حل، ما هو الحل؟ تعرض بعض القضايا نتيجة شؤم المعصية وحملت و صارت و ….، وكيف والآن؟، وقتل الولد في بطن أمه، والفضيحة، وماذا؟ وعمليات, وتغش الزوج الجديد, المسألة مركبة الآن صارت من أشياء خرجت عن نطاق السيطرة, لما قال الله عز وجل: { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } (الأعراف: الآية175-176) . وذكروا فيها القصة المعروفة, برصيص الراهب لما أغوته المرأة وكانت نهايته أن يموت على الكفر { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }(الأعراف: الآية176), أحياناً الذي أُغوي يندم, والذي وقع في الإغراء المحرم يحصل عنده شيء من الحسرة, لكن بعد فوات الأوان أحياناً, ونفسه لا تطاوعه حتى إلى الرجوع إلى الحق, فيه قليل من تأنيب الضمير, لكن ذكر ابن كثير – رحمه الله – في قصة عبده بن عبد الرحيم قال: (هذا الشقي كان من المجاهدين كثيراً في بلاد الروم, وكان في بعض الغزوات والمسلمون يحاصرون بلدة من بلاد الروم إذ نظر إلى امرأة من نساء الروم في ذلك الحصن فهويها, – الآن المسلمون يحاصرون حصناً للروم – , فظهر الإغراء فهويها فراسلها ما السبيل إلى الوصول إليك؟ قالت: أن تتنصر وتصعد إلي, فأجابها في ذلك فما راع المسلمين إلا وهو عندها, فاغتم المسلمون بسبب ذلك غماً شديداً, وشق عليهم مشقة عظيمة، رجع المسلمون عن الحصن, ما فتحوه ومروا بعد مدة، فإذا هو من بعيد يلوح لهم مع تلك المرأة قالوا من بعيد: يا فلان, نادوه ما فعل قرآنك؟ ما فعل علمك؟ ما فعل صيامك؟ ما فعل جهادك؟ ما فعلت صلاتك؟ فقال: اعلموا أني نسيت القرآن كله, -كان حافظاً-, إلا قوله: { رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ*ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } (الحجر: الآية3) قال: وقد صار لي فيهم مال وولد) البداية والنهاية (11/64). كيف أتركهم الآن, خلاص ارتبطنا, وبعض الذين ذهبوا إلى الخارج حصل لهم هذا, صارت روابط ما عاد يستطيع أن ينزع نفسه بزعمه طبعاً, هذا الاستمرار في المعاصي والاتباع للشهوات يستولي على القلب, يستولي على النفس, يبقى الإنسان أسيراً لهواه, هذه الإغراءات أيها الإخوة والأخوات تؤدي للتنازل عن الثوابت, تؤدي للتنازل عن العقيدة عن الدين، تسبب أن يتنصر بعض شباب المسلمين, كما يحصل الآن في بعض المبتعثين, الإغراء إذا صار بالمال بالمنصب بالجاه حصل انحراف وانجراف, الإنسان ضعيف { وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا } (النساء: الآية28). {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا*يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ } (النساء: الآية27-28), المغريات مدخل من مداخل الشيطان على ابن آدم ليقتنص فرصة يرديه بها, فيستعمل الألوان والأشياء الجذابة والإنسان قد يصمَد لكن بعد مدة ينهار, إن معرفة خطورة الإغراءات وأنها جزء من الابتلاء الذي ابتلي به الإنسان وأن إبليس أخذ العهد على نفسه أن يقوم بذلك، هذا يجعل الإنسان يدرك طبيعة المعركة فيستعد لها استعداداً مختلفاً, فإن بعض الذين دخلوا في مستنقعات وأوحال؛ ما أعدوا للأمر عدته ولذلك سهل انزلاقهم فيها, وإذا كان سيأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر, ما هو من قضية التعذيب فقط, لا الإغراءات هذا من هنا وهذا من هنا, هذا يقول: أنا في السوق أبيع, كل يوم فتن عظيمة, كل يوم أشكال وألوان، نساء، عطورات، جمال، أشكال أشياء, كل يوم يُفتن، البائع في محله يفتن في كل يوم سبعين مرة, وماذا يعني قد يصمد الإنسان أول مرة وثاني مرة وخامس مرة وبعد ذلك (( يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه وإن كان في دينه رقة خفف عنه – هذا البلاء بمعنى التعذيب والاضطهاد والشدة – ما يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على ظهر الأرض ليس عليه خطيئة )) أحمد (1400)، وصححه الألباني . لكن أيضاً الابتلاء بالحرام إذا غض البصر ورفض الإغراء وقاوم الشهوة المحرمة، يخرج تبراً أحمر ذهباً نقياً, أيضاً هذه محنة, النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بالله من أربع في الصلاة من فتنة المحيا والممات, ما هي فتنة المحيا؟ أليست هذه الأشياء، الآن ناس يرون الربا غنيمة فينتهكونه, ويرون غش الناس شطارة فيدخلون فيه بالبيع والشراء, يرون النظر للنساء الأجنبيات تلذذاً استمتاعاً، فيطلقون النظر فيه, بعضهم يجد الخمر لذة وطرباً نشوة يشرب، وبعضهم يرى آلات اللهو والمعازف فناً يُدرّس ويُعطى عليه شهادات ومراتب، أنواع الإغراءات متعددة ومتنوعة, قال تعالى: { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } (آل عمران: الآية14) فأخبر الله في هذه الآية كما يقول ابن القيم: (أنه جعل في الدنيا زينة من ملاذها وشهواتها في سبعة أشياء أولاً : النساء اللاتي هن أعظم زينتها وشهواتها وأعظمهما فتنة, ثانياً: البنين الذين بهم كمال الرجل وفخره وكرمه وعزه, ثالثاً: الذهب, رابعاً: الفضة وهما : مادة الشهوات على اختلاف أجناسها وأنواعها خامساً: الخيل المسومة التي هي عز أصحابها وفخرهم وحصونهم وآلة قهرهم لأعدائهم في طلبهم وأهربهم, سادساً: والأنعام التي منها ركوبهم وطعامهم ولباسهم وأثاثهم ومتعتهم ومصالحهم, سابعاً: الحرث والزرع الذي هو قوت أنعامهم ودوابهم وفاكهتهم وأدويتهم وغير ذلك) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، بتصرف., قال ابن تيمية رحمه الله: (لابد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته فمن لم يكن الله معبود له ومنتهى بحبه وإرادته استكبر عن ذلك فلابد له من مراد آخر ومحبوب يستعبد قلبه إما المال وإما الجاه وإما الصور وإما ما يتخذه إلهاً من دون الله) العبودية (112-114) بتصرف., إذا جئنا إلى المغريات في عالم اليوم نجد أن المغريات تتعلق بالشهوة سواء فتنة المرأة بالرجل، أو فتنة الرجل بالمرأة، التي تدعو للرذيلة, والتي ظهرت في أشكال كثيرة من الصور والأفلام قضايا وأشياء تستعمل فيها أنواع كاميرات HD(High Definition) يعني مستعدين أن يدخلوا في الأشياء الفنية إلى أبعد مدى يخرج لك صورة لمَّاعة صورة مشعة صورة جذابة خلابة, النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( إن الدنيا حلوة خضرة – وقال – فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء )) مسلم(4925)., فتنة النساء يُفتن الرجل بالمرأة وتُفتن المرأة بالرجل, أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء, أول انحراف كان في موضوع النساء, يقول المقفع: (اعلم أن من أوقع الأمور في الدين، وأنهكها للجسد، وأتلفها للمال، وأجلبها للعار، وأزراها للمروءة، وأسرعها في ذهاب الجلال والوقار، الغرام بالنساء) الأدب الكبير. طبعاً يقصد بالحرام, (( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء )) كما قال عليه الصلاة والسلام، أخرجه البخاري (5096)، ومسلم (2740). , هل مقاومة الإغراء هذا ممكن, مع ضعف الإنسان ؟ الجواب: نعم, طيب كيف؟ يوسف عليه السلام لما صمد لماذا صمد؟ لأنه تلقى تربية كبيرة من أبيه من الصغر, إذاً عملية مقاومة الإغراءات أمام النساء وحتى مقاومة الرجل لفتنة الرجل ما تتم إلا بتربية قديمة, تربية ضاربة أطنابها في تاريخ الإنسان من صغره, جابوا لنا طفلاً عمره خمس سنوات حافظاً للقرآن كله واختبرته, وجعلت أعطيه أول آية، ويعطيني هذا، وهذه موجودة في أي موقع من الصفحة وهذه في مكان, وهذه الآيات المشتبهة فيعطيك هذه وهذه, يعني عجب, كيف حفظ هذا خمس سنوات, أنت يا أيها الأب ماذا فعلت أعطاك التجربة قال: الأم تسمع القرآن وهي حامل, ولما ولد القرآن يشتغل في البيت لما صار عمر الولد ستة أشهر وبلغ أيضاً سنتين هناك ألعاب مناسبة لهذا السن, ألعاب أحياناً لعبة بسيطة, من سنتين إلى ثلاث أيضاً ألعاب, يكتبون على الألعاب أحياناً سنوات هذه مناسبة لسن كذا وهذه مناسبة لسن كذا, لما صار الولد بعد السنتين عمل له غرفة ألعاب يضع فيها الولد ويشغل القرآن طيلة الوقت, الولد يلعب ويسمع, ولما بدأ الولد ينطق ويتكلم ويفهم بعد ذلك بدأت عملية التحفيظ بعد ما كان الولد يمكن سمع كذا ختمة, في أشياء أحياناً نحن ندهش من آثارها لأننا لا ندرك طبيعة التأثير في النفس, هذا حط الولد في غرفة الألعاب من كل ما تشتهيه نفس الطفل من الألعاب والقرآن شغال باستمرار, الولد يلعب, الآن لو وضعت الولد هو إذا وعنده ( سوني ستيشن) وضعت له القرآن شغال طيلة الوقت هو مع الوقت يسمع حتى بغير قصد السماع, سينطبع في ذهنه أشياء تسهل عملية الحفظ بعد ذلك, ومن أربع إلى خمسة أتم القرآن, يوسف عليه السلام لما صمد أمام الإغراء ما كان الصمود وليد تلك اللحظة, لا، هو تلقى تربية عظيمة من أبيه يعقوب عليه السلام, وابتلي ابتلاء عظيماً فصبر بالرغم من عدة عوامل كانت تساعد على المعصية وتعين عليها وتؤز إليها، ما ركب الله في النفس من الشهوة التي يميل بها الإنسان أشد من ميل العطشان إلى الماء. اثنين: أنه كان شاباً وليس كبيراً في السنة. ثلاثة: أنه كان عزباً لا زوجة له. أربعة: أنه كان في بلد غربة والغريب لا يستحي ما يستحي منه ابن البلد. خمسة: أن المرأة كانت ذات منصب وجمال وكل واحد من الأمرين يدعو إلى الانزلاق. ستة: أنها ما كانت آبية ولا ممتنعة. سبعة: أنه لا يخشى أن تنمي عليه ولا أن تفشي سره، ولا أن تخبر عنه وتشي به؛ لأنها هي الطالبة. ثمانية: أنه كان مملوكاً في دارها يدخل ويخرج بغير استغراب. تسعة: أنها توعدته بالسجن إذا ما استجاب, ومع ذلك رفض { قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْ } (يوسف: الآية33). (( سبعة يظلهم الله في ظله – لماذا – قال إني أخاف الله )) البخاري (1423) ومسلم(1031). هذا الحسب والنسب الشريف, هذا الحسب والنسب والجمال وهذه المغريات الكثيرة التي تجعل الإنسان ينتقل من الشرف إلى الرذيلة, (كان بمكة امرأة لها زوج، وهي جميلة, نظرت يوماً في المرآة وقالت لزوجها: أترى أحداً يرى هذا الوجه ولا يفتتن به, قال: نعم, قالت: من هو؟ قال: عبيد بن عمير هذا من كبار عباد السلف, قالت: فأذن لي فلأفتننه, قال: قد أذنت لك, فأتته كالمستفتية وهو في ناحية المسجد، فأسفرت عن وجه مثل فلقة القمر, فقال: يا أمة الله استتري, قالت: إني قد فتنت بك, قال: إني سائلك عن شيء فإن أنتِ صدقتني نظرت في أمرك, قالت: لا تسألني عن شيء إلا صدقتك, قال: أخبريني لو أن ملك الموت أتاك ليقبض روحك أكان يسرك أن أقضي لك هذه الحاجة؟ قالت: اللهم لا, قال: فلو دخلتي قبرك وأجلستي للمساءلة أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا, قال: فلو أن الناس أُعطوا كتبهم ولا تدرين أتأخذين كتابك بيمينك أم بشمالك أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا, قال: فلو أردت الممر إلى الصراط ولا تدرين هل تنجين أو لا تنجين أكان يسرك أني قضيتها لك, قالت: اللهم لا, قال: فلو جيء بالميزان وجيء بك فلا تدرين أيخف ميزانك أم يثقل أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا, قال: اتقي الله فقد أنعم الله عليكم وأحسن إليك، فرجعت إلى زوجها, قال: ما صنعت ؟ قالت: أنت بطال ونحن بطالون, فأقبلت على الصلاة والصوم والعبادة, فكان زوجها يقول: مالي ولعبيد بن عمير، أفسد علي امرأتي كانت في كل ليلة عروساً فصيرها راهبة) روضة المحبين، بتصرف.

الثلاثة في قصة أصحاب الغار الثاني منهم قال: (اللهم إنها كانت لي بنت عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء, فطلبت منها فأبت علي,- المرأة فيها خير فيها دين امتنعت عن الحرام -حتى أتيتها بمائة دينار لما احتاجت فبغيت حتى جمعتها فلما وقعت بين رجليها قالت: يا عبد الله اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركتها) البخاري (2215) ومسلم (2743)., كيف يقوم الإنسان من مجلس مثل هذا, وما الذي يجعله وهو في قمة الإغراء, لم يبق شيء قال: فلما قعدت بين رجليها في كلمة قد تأتي أحياناً اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، يحصل عند الإنسان أحياناً تذكير بآية يسمعها أو كلمة, ولذلك مهم أن يوجد حتى في أماكن الشر والفاسد شيء يذكر أحياناً كتاب نشرة، مطوية، شريط، حاجة، شيء يُسمع، آية , مقطع بلوتوث, شيء يذكر في غمرة المحرمات, هذا مهم جداً في مقاومة الإغراء, هناك وسائل كثيرة كما قال بعض السلف: (إذا أعجبتك امرأة فتأمل مناتنها) روضة المحبين (1/ 473). ,مناتنها يعني ما يكون من الخارج من السبيلين وما يكون في الأنف وما يكون من العرق وما يكون من أشياء كثيرة, تأمل مناتنها.

الإغراء بالمال

إذا انتقلنا إلى قضية أخرى من جوانب الإغراء وأوديته: الإغراء بالمال, المال محبب إلى النفس, النفس تحرص عليه ((لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا)) رواه البخاري(6072)ومسلم (1048). ،مع أن الوادي الواحد يكفيه وأولاده وأحفاده والجيل العاشر, لكن يريد ثلاثة وأربعة (( إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال )) الترمذي(2258)، وصححه الألباني. كما قال عليه الصلاة والسلام, فتنة النساء أشد بالنسبة للرجال والفتنة العامة التي تشمل الرجال والنساء هي المال, هذا التوفيق بين الحديثين, والفتنة بالمال في هذا الزمان شديدة جداً؛ لأن المال كثر، وتنوعت وسائل المكاسب، وتعددت طرق الحيل والخداع، وكثرت أبواب الحرام في المال، كم منتج ربوي؟ كثير، كم نوع من القروض الربوية؟ كثير، كم وظيفة محرمة؟ كثير, كم نوع للرشوة؟ كثير وتفنن، أبسط شيء موظف المكان هذا يأتيه المندوب يقول: جيب لي لاب توب، أعطوني جوال، ما عندكم تذاكر سفر للصيف أنا والأولاد, شوف لنا غرفة نوم نريد نزوج الولد عندكم تخفيضات, فقد تكون الرشوة تخفيضاً, هذه قضية الأموال اليوم مع اتساع الوسائل الجالبة للأموال، وكثرة طرق الكسب المشروع والممنوع، والرغبة في الكماليات، والرغبة في اقتناء الأشياء، وحتى المستويات الكبيرة قصر استراحة مزرعة شاليه, وعلى مستويات أخرى, أنواع السيارات وسيارة كبيرة وصغيرة للعائلة وللتحميل والسوق, كم سرعة تبديل الجوال اليوم في المجتمع؟ أشياء رهيبة الآن, نصف سكان العالم عندهم جوالات وربع سكان العالم يدخلون على الإنترنت, كما تقول الإحصاءات, التبديل والتغيير والسعي في قضية الأنقى وليس الأتقى، دنيوياً ليس النقاء الشرعي، لا، هذه أجمل أحلى أصفى أنقى دنيوياً, وليست أنقى شرعياً, ولا أتقى شرعياً بسبب إغراء المال باع ناس دينهم, بسبب إغراء المال صار بعضهم أُجَرَاء للأعداء, أقلام مؤجرة يكتبون في الدين، طعناً في الدين، وفي الكتاب والسنة، في تغيير الأحكام الشرعية, وفي السخرية من المسلمين, وأهل الدين وإثارة الشبهات, أُجَرَاء يُستأجر ليكتب؛ كل ما كتب أكثر كلما أعطي أكثر, وهكذا يتكلم بالباطل مثل هاتف العملة كلما وضعت فيه أكثر كلما يعطيك مجال أكثر للكلام, وبطاقات شحن شغالة، ناس تكتب بالباطل وتتكلم بالباطل, بسبب إغراء المال وقع القتل, قتلوا مورّثهم بسبب إغراء المال وقعوا ضحايا للأسهم وأكل الربا، أخذ الرشوة، السرقة، الغصب، الاختلاس.

عن عمرو بن عوف رضي الله تعالى عنه ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين, فسمعت الأنصار بقدوم أبو عبيدة – والناس محتاجين فقراء فيهم شدة – فوافوا صلاة الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم, فلما انصرف من الصلاة تعرضوا له فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم ثم قال: أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء، قالوا: أجل يا رسول الله, قال: فأبشروا وأملوا ما يسركم فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم )) رواه البخاري (3712)، ومسلم(5261). النبي عليه الصلاة والسلام ما خشي على أمته الفقر خشي عليهم الغنى لأن مضرة الفقر دنيوية غالباً, ومضرة الغنى دينية غالباً, قال عليه الصلاة والسلام: (( إني بين أيديكم فرط –أنا سأسبقكم إلى الله – وأنا عليكم شهيد وإن موعدكم الحوض – الموعد عند الحوض, كأنه يقول: يا عباد الله فاثبتوا, قال: وإني لأنظر إليه من مقامي هذا, إني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها)) يقول لأصحابه. رواه البخاري(3736).

يقول الله عز وجل: { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ }(التغابن: الآية15) . فإذا فكرت في الأجر تهون عليك فتنة المال, كما قلنا في قضية فتنة النساء لابد نعطي للأمر أهبته ونأخذ له الاستعداد (( ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف )) الترمذي(2298)، وصححه الألباني. الحرص على المال والحرص على الجاه يفسد في الدين أكثر من إفساد ذئبين جائعين أرسلا في زريبة غنم, الحرص على المال وعلى الجاه؛ لأن الواحد يضحي بأي شيء في مقابل ذلك، يفسدان الدين أكثر من إفساد ذئبين جائعين لزريبة غنم اقتحماها, ((تعس عبد الدينار تعس بعد الدرهم )) البخاري (2887). وعبد الدرهم وعبد الخميصة قد يستعبده ثوب، قد تستعبده امرأة، قد يستعبده مال، (( إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط)), هذه القاعدة, صارت المسألة على حسب ما ينال من الدنيا, قال الحسن البصري – رحمه الله -: (لكل أمة وثن يعبدونه, وصنم هذه الأمة الدينار والدرهم) بهجة المجالس وأنس المجالس., كم من أناس وقعوا ضحايا لهذا الصنم, ولم يقاوموا إغراءه.

وقد يُهْلِك الإنسانَ كثرة ماله كما يذبح الطاووسُ من أجل ريشه.

طرحت إحدى الصحف الغربية سؤالاً ما هو المال؟ فكان الجواب الذي نال الجائزة: المال : جواز سفر عالمي يمكن صاحبه من أن يسافر إلى كل البلاد ما عدا السماء وهو يجلب كل شيء إلا السعادة.

قال عليه الصلاة والسلام: (( إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس – هلع – لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع )) البخاري (1472) ومسلم. ثبت الصحابة أمام إغراء المال, وقدموا لنا أمثلة عجيبة، لما فتحت عليهم كسرى وقيصر وفارس والروم، هؤلاء أكثر مالهم الذهب الأحمر، وهؤلاء أكثر مالهم الفضة الصفراء والبيضاء الذهب والفضة, (( أعطيت الكنزين الأبيض والأحمر)) مسند أحمد (17156). فالذهب يترواح بين الصفرة والحمرة, ثبت الصحابة مع أن الدنيا فتحت عليهم فتحاً عظيماً جداً, عبد الله بن حذافة السهمي لما أُخذ أسيراً مع بعض المسلمين ذهب به الروم إلى ملكهم, قالوا: إن هذا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قال: هل لك أن تتنصر وأعطيك نصف ملكي؟ قال: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ملك العرب ما رجعت عن دين محمد صلى الله عليه وسلم, هدده بالقتل فأبى! قاوم, الثبات أمام المال يحتاج إلى علم وإيمان, يحتاج أيضاً إلى خبرة وبصيرة؛ لأن بعض الناس يمكن يستدرج نتيجة غفلة, ما عنده خبرة بالحياة, ممكن ظالم يجره يستغفله ويجذبه, دخل جبار الشام إبراهيم باشا ابن محمد علي حاكم مصر السابق دخل المسجد الأموي في ذلك الوقت وكان الشيخ يلقي درساً في المصلين, مرَّ إبراهيم باشا بالشيخ وكان ماداً رجله، فلم يحرك الشيخ ولم يبدل جلسته ما تحفظ ولا قام ولا فزع بقيت رجله ممدودة, فاستاء إبراهيم باشا واغتاظ غيظاً شديداً, وخرج من المسجد وهو يضمر شراً بهذا الشيخ, فكيف ينتقم ويذل هذا, فأرسل إلى الشيخ ألف لَيرة ذهبية, طبعاً هذا مبلغ يسيل له اللعاب, وطلب من وزيره أن يعطي المال للشيخ على مرأى ومسمع من تلاميذه, فانطلق بالمال إلى المسجد ودخل واقترب من الشيخ وهو يلقي درسه فألقى السلام وقال بصوت عال سمعه كل من حول الشيخ : هذه ألف لَيرة ذهبية يرى مولانا الباشا أن تستعين بها على أمرك، فنظر الشيخ نظرة إشفاق إلى هذا الرجل وقال له : يا بُني عد بنقودك إلى سيدك وردها إليه وقل له: إن الذي يمد رجله لا يمد يده.

حاول اليهود استمالة السلطان عبد الحميد ليسمح لهم في إقامة وطن في فلسطين وعرضوا عليه مبالغ طائلة بالإضافة إلى دفع مبلغ كبير للدولة سنوياً وتسديد جميع ديون السلطنة العثمانية لأوروبا مقابل أن يصدر السلطان عبد الحميد قراراً واحداً يسمح فيه لليهود بالهجرة إلى فلسطين والاستيطان بها, فقال السلطان – رحمه الله -: إن ديوننا ليست عاراً, ولكن العار أن أبيع أرض المسلمين لليهود, وكان ذلك سبب تأليب أوروبا وروسيا على الخلافة العثمانية والعمل الحثيث على إسقاطها, المال اليوم إغراءاته ضخمة, يقول: جاءتني وظيفة في مكان لكنه حرام, الراتب رهيب ضعفي راتبي, ثلاثة أضعاف, هناك مستقبل, هناك إمكانية للتطور, النظام عندهم يسمح بالترقي بسرعة, الإغراءات كثيرة، والناس تحتاج الفلوس, لحاجة ولغير حاجة وللكماليات وللتحسينيات, واحتياجات الناس متفاوتة لكن الآن نحن في نمط استهلاكي, دخل المجتمع في أنماط استهلاكية كثيرة جداً، أكثر الأموال لا تنفق على شيءٍ إنتاجي, وإنما تنفق في الاستهلاكيات, ونادراً أن ترى المال يوضع في إنتاج، وإنما يوضع في استهلاك, المجتمعات الغربية, صارت علبة الببسي تكبر وصارت السندوتشات الماك طبقتين ثلاثة, أناسٌ تستهلك, فوقعوا على أم رؤوسهم، وصارت الآن عندهم خيام في الحدائق يسكنون فيها, في تلك البلاد في أمريكا!!, انفلونزا الخنزير بعد انفلونزا الطيور, ورعب، الواحد لا يكتشف الحقيقة إلا إذا زار المقبرة, إذا ما زرت المقبرة لن تكتشف الحقيقة, زر المقبرة وتأمل في هؤلاء, هذا من أعظم وسائل الثبات أمام الإغراءات, قم بزيارة إلى المقبرة.

الإغراء بالمنصب والجاه

ثالثاً المنصب والجاه من أعظم الإغراءات الموجودة التي يضحي الناس بدينهم من أجلها إلا من رحم الله، هذا الحرص الشديد في النفوس على نيل شرف الدنيا والرفعة فيها والعلو في الأرض والتعالي على الخلق بطلب المنصب، مدير، رئيس، … ( لمَّا عَلِمَ هِرَقْلَ بخُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ نَبِيٌّ أَذِنَ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ – بناء مثل القصر – بحِمْصَ – وهرقل أصلاً كان من رجال الدين لدى النصارى، ما كان ملكاً من أهل الدنيا فقط، كان في خلفيته وأصله كان له اطلاع جيد على أوصاف النبي عليه الصلاة والسلام في كتبهم، لما سمع بخروجه وعرف وصفه، وتأكد أنه هو أراد أن يتبعه، هرقل أراد أن يسلم، لكنه الآن في منصب ملك الروم، وتحته الشام والهيلمان، ما أراد أن يخسر ملكه وأراد أن يجمع بين الإسلام والملك، الخطة التي فعلها أنه أذن لعظماء الروم، وزعمائهم وقياداتهم الدينية والعسكرية والسياسية أن يدخلوا عليه في هذا القصر في حمص – ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ؟ – وهذه قصة حقيقية في صحيح البخاري، وتبين تأثير الإسلام أنه بلغ رأس الروم، والنبي عليه الصلاة والسلام أرسل رسائل واضح الحق فيها، وأثرت في هرقل حقيقة وهذه الكلمات من هنا قيلت- فَحَاصُوا- حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ – اضطربوا وتدافعوا الأبواب بدأ التمرد على هرقل- فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ – وصاروا داخل يدورون – فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَأَيِسَ مِنْ الْإِيمَانِ قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ.

وَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ فَقَدْ رَأَيْتُ.

فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ ). البخاري(6).

فما استطاع أن يقاوم وزراء الملك، والخروج من الملك، كان فعلاً ينوي أن يسلم ويجر وراءه الروم كلهم، فلما رأى أنه سيفقد الملك وصار بين أمرين إما أن يبقى على الكفر وهو ملك، وإما أن يدخل في الإسلام، ويزول ملكه، ضن الخبيث بملكه، فسقط في الاختبار.

بينما في الجانب المقابل لما تعرض كعب بن مالك رضي الله عنه للإغراء من ملك غسان، لما قاطع المسلمون كعباً بأمر النبي عليه الصلاة والسلام، وتنكرت له الأرض حتى ما يكلمه ولا ولد عمه، ويمر في السوق فلا يسلم عليه أحد، وزوجته تعتزله، يأتي إليه كتاب من ملك غسان، ملك تلك المملكة على الحدود العربية الرومية، الدولة الغسانية (أما بعد: فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، – الأعداء يلتقطون كل الأخبار، فكيف عرف ملك غسان عن واحد من الصحابة في المدينة، هناك اصطياد واضح، قال: بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله في دار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك – تعال نعطيك لجوء، وتعيش بيننا معزز مكرم، وما لك والهوان؛ مقاطع، منبوذ، ألحق بنا، الآن لما جاء الإغراء في وقت الشدة، قال: – لما قرأتها، وهذا أيضاً من البلاء فتيممت بها التنور، فسجرته بها ) رواه البخاري(4066)، ومسلم(4973).

إذاً مقاومة الإغراء حصلت عند الصحابي لما جاء له الإغراء هذا ثبت، ومباشرة أحرق الخطاب، أيأس نفسه من هؤلاء، رجل مجفو لا يُكلم، مهجور، منبوذ حتى من أقرب الناس إليه، يُغرى ويهتم به ملك غسان، وتأتيه رسالة خاصة من ملك غسان، وهو يحرق الخطاب، يدل على ماذا؟ الإغراء يُمتحن العبد به فتظهر قوة إيمان العبد، مستعد يصمد وغير مستعد أن يصمد.

نحن نأخذ دروس يا إخوان، الآن المسألة أخذ العبر، وتقوية النفس بهذه المواقف، الإيمانية للصحابة، للصالحين، نحن لا بد أن نأخذ من المواقف، نأخذ العبر، ونؤسس أنفسنا عليها، حتى إذا خرجنا من هنا وجاء أي إغراء نستطيع الصمود، دل صنيع كعبٍ كما يقول الحافظ رحمه الله: (على قوة إيمانه، ومحبته لله ورسوله، وإلا فمن صار في مثل هذا الحال من الهجر والإعراض قد يضعف عن احتمال ذلك، وتحمله الرغبة في الجاه والمال على هجران من هجر، – قاطعتموني أقاطعكم- ، ولا سيما إذا استدعاه قريب ونسيب، – وكعب بن مالك وملك غسان يجتمع نسبهما في عامر بن ماء السماء – فغلب عليه دينه، وقوي عنده يقينه، ورجح ما هو فيه من النكد والتعذيب على ما دعي إليه من الراحة والنعيم، حباً في الله ورسوله) فتح الباري..

الغلام الذي كان يتعلم السحر عند الملك كان ينتظره مستقبل كبير؛ لأن الساحر إذا مات، سيعين الملك الغلام المعلّم بدلاً من الساحر الكبير في السن، وإذا مات هذا وراءه منصب وجاه عريض، لكن ضحى بنفسه، وقدم نفسه للموت، الغلام قدم نفسه للموت، رغم المغريات العظيمة، {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } (القصص: الآية83).

اليوم نرى أنواع المغريات، انظر مثلاً إلى الفنانات التائبات، ما بقي شيء في عالم الإغراء والإغواء ومحاولة إرجاعهن إلى الفساد والعفن إلا وبذلت، خذ مزيداً من الشهرة، خذ مزيداًَ من المال، تقول إحداهن: للأسف عندما أعلنت اعتزالي للرقص، بدأت المطاردات من أصحاب الملاهي يعرضون علي عشرات أضعاف ما كنت أتقاضاه من أجر من أجل أن أعود إلى الرقص، وزميلاتي يسخرن بي، – إغراء مالي من جهة، وسخرية وضغوط نفسية من الجهة الأخرى- ، وأنا أقول: اسخرن كما شئتن، ولكني ذقت حلاوة الإيمان، تقول: سعادة المال تذهب وتأتي، أما سعادة الإيمان فلا أستطيع وصفها، إنَّ هذه السَّعادة تَستحِقُّ أن أموت من أجلها، ومن ذاق عرف.

مخرج فرنسي يدعى كرستيان، غير اسمه إلى عيسى، وتعرض إلى اضطهاد بعد أن أعلن إسلامه، أولاً: فقد عمله، ثانياً: تركته زوجته، ثالثاً: هجره أصدقاؤه، رابعاً: تعرض بيته للتخريب، وسيارته للتكسير، مما اضطره إلى تغيير مكان إقامته، وتبديل سيارته، وراح في دراجة نارية، لم يجد عملاً، نبذه الجميع، بالرغم من المحاولات، إغراءات أولاً، ثم الضغوط ثانياً، والمحاربة، {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء}(إبراهيم: الآية27).

ليت الأغنياء من المسلمين يسخّرون أموالهم لاحتضان هؤلاء التائبين والتائبات حتى لا يعودوا.

الإغراء بالفتاوى الضالة

ومن أعظم الإغراءات يا إخوان، أنا أقول إغراء ظهر الآن وهو من نوع مؤسف جداً، إغراء الفتاوى الضالة بإعادة الفنانين والفنانات إلى العمل، الفتاوى الضالة الشاردة عن منهج الله ورسوله، يغرونهم بها، فتاوى، لماذا تحرمين الناس من صوتك الجميل؟، وهل صوتها الجميل حق لكل الأمة؟ لماذا، إذا ولا بد الإنشاد الديني، يعطونها قصيدة لصوفية تجلس تغني فيها على الناس.

إن بعض هؤلاء رجعن بالفتاوى الضالة، فإذا ما وجدتها في إغراء المال، ولا إغراء الضغوط، فإنه بإغراء الفتاوى الضالة، هذا إغراء جديد.

سمات المغريات المعاصرة

من سمات المغريات المعاصرة أولاً: كثرتها، إغراءات كثيرة حولك، كأمواج البحر، فتن، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((بادرا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضاً))مسلم (118) وأحمد (7970)، كموج البحر، أمواج متراطمة وراء بعض.

ثانياً: سهولة تحصيلها، ما أسهل الوصول إلى الحرام في هذا الزمان، جاءني شاب في المسجد قال: يا شيخ أنا أريدك تعطيني شيئاً يفكني من الحرام، لماذا؟ قال: أنا كل يوم أقع في الفاحشة، لماذا؟ قال: أذهب إلى السوق، والله العظيم إني أوقف السيارة، أترك الباب مفتوح أحصّل واحدة ركبت، وآخذها وأمشي، كل يوم، الحرام سهل جداً، زمان ما في هواتف، الآن الجوالات، وسائل الاتصالات هذه النعمة العظيمة من الله صارت تستعمل في الشر، صارت التقنية تسخَّر في تسهيل الحرام، وطبعاً الأفلام والدعايات تغري بالحرام، هذه تغري، وهذه تسهل الوقوع المباشر.

ثالثاً: كثرة من يقف وراء هذا من أعوان الشيطان، ويروّج، شركات كبرى، عالمية، كما قال اليهود تعهدوا في بروتوكولاتهم سنشغل الأميين بالبطن والفرج، الإغراءات المعاصرة براقة، جذابة، إن سحر الإعلام قد يكون أقوى من سحرة فرعون، السحر في المؤثرات الدعائية والإعلانية والإعلامية، مؤثرات شديدة قوية، مغرية، متنوعة، ما تشتهيه الأنفس.

قال أبو حازم رحمه الله: (اشتدت مؤونة الدنيا ومؤونة الآخرة، فأما مؤونة الآخرة فإنك لا تجد لها أعواناً، وأما مؤونة الدنيا فإنك لا تضرب بيدك إلى شيء منها إلا وجدت فاجراً قد سبقك إليه) ذم الدنيا لابن أبي الدنيا(311). المشكلة أحياناً تذهب لصلاة الفجر تحصّل واحد اثنين ثلاثة، قليل، ويمكن أحياناً ما تحصّل المؤذن وما تحصّل أحد، اذهب إلى أماكن الفساد آلاف مؤلفة، مثلاً: أفتح موقع كلمات البحث في الإنترنت والمواقع ، ما الأكثر دخولاً، وما الأكثر ارتياداً من قبل زوار الشبكة؟ الأكثر إقبالاً الأسواق وإلا المساجد، الأسواق، النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن هذه أحب البلاد إلى الله، وهذه أبغض البلاد إلى الله، ضعف التوحيد، يجعل الإنسان يهوى الصنم، وفي كل قلب صنمٌ أو أصنام، ما هي فائدة جعل المساجد في الأسواق يا إخوان؟ لأن المساجد معلم تذكير في مكان الغفلة، لماذا؟ لأن الأسواق مكان للدنيا والبيع والشراء، المسجد هذا معلم أذان، درس، محاضرة، فيه شيء يذكّر في وسط الغفلة، وذكر الله في أماكن الغفلة وأوساط الغفلة أجره مضاعف، لماذا؟ لأن العبد الذي يذكر ربه في مكان الغفلة معناه أن قلبه حي، ما استولت عليه الغفلة، ما أسكرته، ما أشغلته، ولا بد أن يقوى التدين في النفوس ليكون معارضاً ومقاوماً للعشق والشهوات، ويبتلى الإنسان بالعشق نتيجة ضعف الإيمان في القلب.

يقول قتادة: (إن الرجل إذا كان كلما هوي شيئاً ركبه، وكلما اشتهى شيئاً أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى فقد اتخذ إله هواه)جامع العلوم والحكم (1/ 210 ) وعندما يكون ضعف التدين موجوداً، والإنسان لا يرى النار، ولا يتذكرها، ويصير محجوباً، يقع في الفخ الذي ينصب له، ولذلك كان جهاد الهوى من أعظم أنواع الجهاد، قال رجل للحسن البصري رحمه الله: (يا أبا سعيد أي الجهاد أفضل؟ قال: جهادك هواك).

قال ابن القيم: (وأفرض الجهاد جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا، فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاه) الفوائد صـ 59.

توجيهات في مقاومة الإغراءات

ولا بد أيها الأخوة حتى نقاوم الإغراءات أنه ما تشغلنا الدنيا عن الآخرة، {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (الأعلى:16-17) . سورة الأعلى، لا يصبر عن شهوات الدنيا إلا من كان في قلبه ما يشغله من الآخرة، متزود منها، بقدر ما تحزن للدنيا يخرج هم الآخرة من قلبك، وبقدر ما تحزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك، ثم لا للترف الزائد، طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً، وأيضاً لا بد أن يوجد في المجتمع قدوات ناصحون، متمسكون بالدين، آباء صالحون، معلمون، أئمة، طلبة علم، دعاة، أهل دين، هؤلاء يثبتون الناس، هؤلاء يجذبون الناس، هؤلاء يربطون الناس بالله، وأما إذا كان الأب مشغولاً، والأم مشغولة، وانشغل الناس عن الدعوة، وعن الوظائف الشرعية، وعن نصح الآخرين، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما الذي إذاً سوف يثبت الناس، ما الذي سوف يجلبهم إلى الحق، الواحد يتقوى بغيره، يتقوى بموقف غيره، فلو كان عندك عدد من الثابتين على مواقفهم، فهم يثبتونك معهم.

ثم لا بد نعرف ما هي حقيقة الدنيا، ما هي حقيقة هذا الزخرف، ما هي حقيقة هذه الزينة، {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا } (الحديد: الآية20) . النهاية ماذا؟ {حُطَامًا} (الحديد: الآية20).

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلًا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ، وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ – على جَانِبيه – ، فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ – صغير الأذنين، ميت – فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ، ثُمَّ قَالَ:- انظر القدوة والإمام والعالم كيف التربية – أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟ – هذا جدي أسك ميت –

فَقَالُوا: مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟

قَالَ: أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟

قَالُوا: وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَسَكُّ، فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ.

فَقَالَ: ( فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ )) مسلم (2957).

الواحد أحياناً يتأمل يقول: الدنيا فيها ناطحات سحاب، وفيها مزارع هائلة، وفيها ثروات ضخمة، ومناجم ذهب وفضة، وفيها الكترونيات، وأجهزة، واختراعات، وطيارات، وفخامة وضخامة، وفيها لباس كل هذه ما تسوى عند الله جناح بعوضة، كلها، وفي يوم القيامة {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} (الزلزلة: الآية1)، كل شيء على الدنيا، على سطح الأرض سيتكسر، يصير هباء منثوراً.

لا بد أيضاً يكون عندنا أيها الأخوة مقاومة للنظرة المحرم، العين تقع على أشياء لها بريق، ربما قد يكون جسد امرأة، قد يكون أي شيء جذاب.

كل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر

نظر العيون إلى العيون هو الذي جعـل الهلاك إلى الفـؤاد سبيلاً

من الأشياء التي لا بد من مواجهة الإغراءات تجنب قضايا الاختلاط ما أمكن.

قال ابن القيم رحمه الله: (ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة – ترون انفلونزا الخنازير هذه عقوبات عامة – كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة) الطرق الحكمية (259). يا جماعة هذه أوبئة تجتاح العالم ما كانت موجودة من قبل، ما كانت معروفة من قبل، أشياء جديدة، لماذا؟ {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}(الروم: الآية41)، ما هو الفساد الذي ظهر بسبب المعاصي؟ فساد الزروع والثمار، تلوث البيئة، فشو الأمراض، أشياء مسرطنة كثيرة، اسأل الأطباء ما هي الأشياء المسرطنة؟ يقول: أشياء في مواد البناء، وأشياء في المأكولات، والمعلبات، كثيرة، ويقول لك: بالإشعاع الفلاني، وهذا لسرطان الدماغ، وهذا لسرطان الدم، وهذا لسرطان الجلد، ، شيء رهيب بأي شيء حصل هذا؟ الله رحيم، لكن الناس أنفسهم يظلمون لما تمردوا على شرعه عاقبهم، الله يضرب بسياط العقوبات الإلهية، أمراض جديدة، بلاءات جديدة، أزمة مالية، الله يعاقب؛ لأن البشرية إذا شردت عن ربها يعيدها بسياط العقوبات، والابتلاءات.

ثم لا بد من الرفقة الصالحة، الطباع نقّالة، والصاحب ساحب، لا تسأل عن المرء وسل عن قرينه، {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا* يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي}(الفرقان: الآية27).

قال عمر رضي الله عنه يعظ رجلاً: (لا تمش مع الفاجر فيعلمك من فجوره) (العزلة للخطابي /114) لذلك رفقاء السوء داء عضال، والقرب منهم مرض معدي

تجنب خليل السوء واصرم حباله فإن لم تجد عنه محيصاً فداره

لأنه من البلاء أن تجد عدواً ما لك من صداقته بدُ، لازم تتعايش معه، على البلايا اللي فيه، على الأقل يكون منك وعظ، ما استجاب تجنب شره.

الجهل بعظمة الله ما قدروا الله حق قدره، لو قدروا الله حق قدره، استجابوا لربهم، وقاوموا الإغراءات المحرمة، وثبتوا، أيضاً الفقر يدفع لأنواع من المحرمات، وجدت حالات أحياناً انسياق نساء وراء ماذا؟ إكسسوارات، بطاقة شحن جوال تأتي بامرأة، إذاً قضية الزهد في الدنيا، وقضية القناعة، وقضية اكتساب ما يغني، فالإنسان يعف نفسه حتى ما ينزلق، لماذا الواحد يحتاج ثم ينزلق تحت ضغط الحاجة؟ يبتغي مما كتب الله حتى يغني نفسه، ما ينزلق، وإذا كان الإنسان يجد وسائل سمعية ومرئية تغري، لا بد أن يكون عنده مقاومة، أغلق بعض الأشياء، غض البصر، انظر للمفيد، اترك غير المفيد، اترك الضار

وإذا خلوت بريبة في ظلمــة والنفس داعية إلى العصيان

فاستحيي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني

النفس الأمارة بالسوء تصرخ بها إني أخاف الله، وإذا وسوس لك الشيطان، فقل: ليس لك علي سلطان، وإذا زين لك قرناء السوء الطريق فقل: لا أبتغي الجاهلين.

الربيع بن خثيم شابٌ عالم لما بلغ الثلاثين تمالئ عليه أهل الفساد، أتوا بغانية قالوا لها، بذلوا المال: نريد فقط قبلة واحدة، قالت: لكم علي فوق ذلك أن أجعله يفعل بي، فتعرضت له في ساعة خلوة، وأبرزت مفاتنها، فقال: يا أمة الله كيف بك لو نزل ملك الموت فقطع منك حبل الوتين – هذا عرق بين الظهر والقلب إذا انقطع مات الإنسان- أم كيف بك لو وضعت في قبرك فسألك منكر ونكير؟ أم كيف بك لو عرضت على الجبار فبأي لسان ستجيبين؟ فصرخت وولت هاربة تائبة عابدة زاهدة حتى لقبت بعابدة الكوفة، فقال الفساق: أفسدها علينا الربيع.

ملئ أوقات الفراغ بالأشياء النافعة والكثيرة، عالم الابتكارات والاختراعات وقضايا وتصميمات، والأعمال الدعوية المفيدة والنافعة، وجّهنا مرة سؤالاً للأخوات على شبكة الانترنت هاتوا لنا ما هي الأعمال المفيدة التي تفعلها المرأة في بيتها، حتى ما تحس أنها مسجونة بين أربعة جدران، ماذا تفعل؟ فأحصوا أكثر من خمسين عملاً تقوم بها المرأة في بيتها من الأشياء المفيدة والنافعة لها ولغيرها.

الآن مع وجود الشبكة صار سهلاً أن يقوم المرء من بيته بأشياء كثيرة، زمان تحتاج أن تذهب وتدعو إلى الله، وتمر على فلان، وتسافر للدعوة، الآن تسافر للدعوة تنخر عباب الشبكة، و كم تأخذ منك العملية؟ سهولة، ورخص، ومجهود قليل، من زمان الدعاة يسافرون في الأرض، كيف يدعو؟ ذو القرنين جاب مشارق الأرض ومغاربها، أنت الآن تجوب مشارق الأرض ومغاربها في الشبكة، تدعو إلى الله، وتنصح وتنكر، وتبين وتعلم، وتعمل مشاريع كثيرة لو أردت.

واحذر فراغك فهو لص جاثم يدعو للإهمال والعصيان

إن الفراغ خديعة لعقــولنا ومحطة للهم والأحـزان

واقصد إلى عمل تجيد أداءه حتى تكون لحسنه متفان

وسواءً كان طلب علم أو دعوة إلى الله، أو طلب الرزق الحلال، أو بحث عما يعفك، أو قضية تفيد المجتمع في مشاريع اجتماعية كثيرة اليوم، الإدمان يحتاج إلى علاج، الطلاق يحتاج إلى علاج، من يتصدى اليوم لمصائب المجتمع الآن؟ كل الإحصاءات، الطلاق من خمسة وعشرين في المائة إلى ثلاثين في المائة، هذا الذي بلغ المحكمة، والذي في الإفتاء ما بلغ المحكمة كم؟ الذي في الإفتاء ما هي في صكوك المحاكم، والذي راح لطلبة العلم غير المفتي والذي طلق وما سأل أصلاً، كم؟ تحصين النفس قضية مطلوبة، بالزواج، ويعف الإنسان نفسه عن الإغراءات المالية، ((كن ورعاً تكن أعبد الناس)) رواه ابن ماجة وصححه الألباني .، وليجتهد بالأعمال الصالحة حتى يستعصم بالله، كيف تقوي نفسك بالله؟ أن تقوم لعبادته في المحراب، في القران، في الذكر والدعاء، في العمرة، في الصدقة، في الدعوة، في طلب العلم، في صلة الرحم.

أهل الحي ماذا عملت معهم، أهل حيك، وجيرانك، ماذا عملت معهم؟ ووجه كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر أن العبد المقيم لها المتمم لأركانها وشروطها وخشوعها لا بد أن يكون عنده مقاومة للشر، ستنهاه صلاته.

ثم الإنسان في مقاومة الإغراءات لا بد يدعو الله بالثبات، يدعو الله بالنجاة، {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}(آل عمران: الآية8)،{رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا}(البقرة: الآية250)، ((قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن)) مسند أحمد(26176)، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي، ومن شر منيي – يقصد شر الفرج – )) رواه الترمذي (3492) وصححه الألباني.

ومن أهم الأمور: البعد عن أماكن الإغراءات، ما هي مواطن المغريات ابتعد عنها، أما الإنسان يغشاها ويقول: ما صبرت، ذهبت وانزلقت، لماذا ذهبت؟ أنت مشيت برجليك إلى الشر، ((لا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء)) رواه البخاري (3283) ، ومسلم (2766) وهذا لفظه.، قالها العالم للذي قتل مائة نفس، لماذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((إياكم الدخول على النساء))؟ الإنسان ما يورط نفسه، يدخل ويقول: أنا ما صبرت، لماذا دخلت أصلاً، ((كونوا أحلاس بيوتكم)) الأحلاس : جمع حلس، وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير، ومعنى : كونوا أحلاس البيوت أي الزموها] رواه أبو داود (4262) وصححه الألباني في صحيح أبي داود. إذا صارت المسألة فتن في فتن، ((أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك)) رواه الترمذي 2(406) ، وصححه الألباني في الصحيحة (890) .

القناعة بالحلال الذي عندك هو الذي يجعلك عندما تطبق الآية: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ}(طـه: الآية131) فأنت ترعى الجانب المقابل: {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (طـه: الآية131). .
لا تنظر إلى المترفين، لا يكن المترفون هم قدوتك، وغايتك، وتريد أن تكون مثلما لهم، يا أخي تتعب، واحد عنده سيارة، ليس عندك مثلها، وعنده قصر، ما عندك مثله، وعنده مزرعة ما عندك مزرعة، وعنده شاليه، ما عندك مثله، وعنده ثوب ما عندك مثله، تتعب، إذا خالطت أهل الدنيا تتعب، خالط أهل الآخرة ترتاح .

إذا ما أطعت النفس في كل لذة نسبت إلى غير الحجا والتكرم

إذا ما أجبت النفس في كل دعوة دعتك إلى الأمر القبيح المحرم

ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها له نصيبه، ومن أراد الدنيا وسعا لها سعيها له نصيبه، {أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ} (التكاثر:1) .

(يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ). مسلم (2958).

وختاماً فإن عمر الإنسان قصير، والأيام زائلة .

وما عيشها إلا ليال قلائل سراع وأيام تمر قصار

الدنيا من أولها إلى آخرها قليل، وما متاع الدنيا إلا قليل، لو عشت ألف سنة متاع الدنيا قليل .

وكم ذي معاص نال منهن لذة ومات وخـلاها وذاق الدواهي

تصرم لذات المعاصي وتنقضي وتبقى تباعات المعاصي كما هـي

فيا سوءتا والله راء وسامــع لعبد بعين الله يغشى المعاصــيا

خذ العدة للرحيل، ولا يلهينك طول الأمل، و الشباب زائل، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك، ومن غناك لفقرك، ومن شبابك لهرمك، واعلم أن الموت يأتي بغتة، فتبصر في العواقب، عمل الآخرة شاق، آخرته لذيذة، والمعاصي لذيذة في أوائلها وعاقبتها شؤم، فيا ويح من فضل لذة ساعة يقضي بعدها شراً إلى قيام الساعة وبعد قيام الساعة.

وشارب الخمر يلتذ ساعة، ويجني بعد ذلك من الآفات في الدنيا والآخرة ما الله به عليم، كما أن الزاني يلتذ ساعة في قضاء شهوة تعقبها فضيحة وفاحشة وساء سبيلاً .

وأكثر ذكر الله، أكثر ذكر الله، وننهي مجلسنا هذا بتذكير أنفسنا بهذا الكلام لابن القيم رحمه الله يقول: (الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة فإنها أما أن توجب ألماً وعقوبة، وإما أن تقطع لذة أكمل منها، وإما أن تضيع وقتاً إضاعته حسرة وندامة، وأما أن تثلم عرضاً توفيره أنفع للعبد من ثلمه، وإما أن تذهب مالاً بقاؤه خير له من ذهابه، وإما أن تضع قدراً وجاهاً قيامه خير من وضعه، وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب، وإما أن تطرق لوضيع إليك طريقاً لم يكن يجدها من قبل ذلك، – يتسلط عليك بسبب معصيتك- ، وإما أن تجلب هماً وغماً وحزناً وخوفاً لا يقارب لذة الشهوة، وإما أن تنسى علماً ألذ من نيل الشهوة، وتشمت بك عدواً وتحزن ولياً، وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة ) (الفوائد:131).

تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام ويبقى الذل والعار

تبقى عواقب سوء في مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار

قال الله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ}(الشعراء:206) . الموت {ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون} (الشعراء:206) ، ذهبت اللذات وبقيت الحسرات .

اللهم إنا نسألك أن ترزقنا ذكرك، وأن تجعل عملنا في رضاك، أحينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين، وجنبنا الغفلة والغافلين، اللهم أحي قلوبنا بالقرآن، واجعله لنا إماماً ونوراً يوم الدين، وارزقنا رفقة الصالحين، واسلك بيدنا في أهل اليمين والمقربين، وارزقنا حسن الخاتمة يا رب العالمين، اغفر للحاضرين والحاضرات، والمؤمنين والمؤمنات، يوم يقوم الأشهاد.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

ستر العيوب

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليماً، أما بعد:

فقد أمرنا الله – سبحانه وتعالى – بستر العورات، وتغطية العيوب، وإخفاء الهنات والزلات، ويتأكد ذلك مع ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس معروفاً بالأذى والفساد، فمن مقتضى أسمائه الحسنى الستر فهو سـِتِّير، يحب أهل الستر.

ولقد رأى النبي – صلى الله عليه وسلم – رجلاً يغتسل بالبراز(الخلاء) بلا إزار، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال – صلى الله عليه وسلم -: (إِنَّ اللَّهَ – عَزَّ وَجَلَّ – حَيِيٌّ سِتِّيرٌ، يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ)1.

الجزاء من جنس العمل:

إن الجزاء من جنس العمل، فمن كان حريصاً على ستر المسلمين في هذه الدنيا إذا زلوا أو وقعوا في الهفوات، فإن الله – تعالى- يستره في موقف هو أشد ما يكون احتياجاً إلى الستر والعفو حين تجتمع الخلائق للعرض والحساب، ففي الحديث الصحيح: (وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)2، وروى مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: (لَا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)3.

الطاعات ستر من النار:

إن الطاعات والقربات بمثابة ستر لصاحبها من النار ففي الحديث: (مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَتِرَ مِنْ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ)4.

وأعظم لباس يستتر به العبد لباس التقوى قال – تعالى-: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} (26) سورة الأعراف.

ولما كان الستر من الصفات المحمودة فقد سعى الشيطان وأولياؤه إلى كشف السَّوْءَات والعورات، ولذلك قال – سبحانه وتعالى – محذراً: {يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} (27) سورة الأعراف.

إن انتشار دعوات العري والخلاعة والاختلاط دليل فساد العقل والفطرة، وموافقة الشيطان، ومخالفة أوامر الرحمن.

الشريعة تحث على الستر:

لم تتشوف الشريعة لكثرة عدد المحدودين والمرجومين، فالتهمة لا تكون إلا ببينة أوضح من شمس النهار؛ ولذلك شرع إقامة حد القذف على من رمى مؤمناً بغير بينة شرعية، ونهينا عن هتك الستر فقال – تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (19) سورة النــور، وقال في قصة الإفك: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ} (12) سورة النــور، وقال: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} (16) سورة النــور.

ولما أتى هزال بماعز الأسلمي لإقامة الحد عليه قال له النبي – صلى الله عليه وسلم -: (لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ)5.

الحدود كفارات والستر أولى:

إن الحدود كفارة لأهلها، ومع هذا استحب أهل العلم لمن أتى ما يستوجب الحد أن يستر على نفسه، ويتوب فيما بينه وبين ربه، ويكثر من الحسنات الماحية، فعن عبد الله – رضي الله عنه – قال: “جاء رجل إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها استمتاع محرم بغير جماع فأنا هذا فاقض فيَّ ما شئت، فقال عمر: لقد سترك الله لو سترت نفسك، قال: فلم يرد النبي – صلى الله عليه وسلم – شيئاً، فقام الرجل فانطلق فأتبعه النبي – صلى الله عليه وسلم – رجلاً دعاه، وتلا عليه هذه الآية: {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} (114) سورة هود، فقال رجل من القوم: يا نبي الله هذا له خاصة؟ قال: (بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً)6.

وهنا لم يستفسر منه النبي – صلى الله عليه وسلم -، ولم يسأله عما اقترفه تحديداً.

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ)7.

فليس عندنا كرسي اعتراف، ولا صناديق غفران، فمن اقترف ذنباً، وهتك ستراً؛ فليبادر بالتوبة من قريب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وتأخير التوبة ذنب يجب التوبة منه.

الستر صفة الأنبياء والصالحين:

إن الستر صفة يحبها الله – عز وجل -، وهي صفة يتحلى بها الأنبياء والمرسلون ومن تابعهم بإحسان، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا، لَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً مِنْهُ، فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالُوا: مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التَّسَتُّرَ إِلَّا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ، إِمَّا بَرَصٌ، وَإِمَّا أُدْرَةٌ، وَإِمَّا آفَةٌ، وإِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى،….)8. الحديث.

وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض9.

وعن أبي السمح – رضي الله عنه – قال:كنت أخدم النبي – صلى الله عليه وسلم – فكان إذا أراد أن يغتسل قال: (وَلِّنِي قَفَاكَ)، وأنشر الثوب فأستره به10.

وعن أبي بكر – رضي الله عنه – قال: “لو أخذت سارقاً لأحببت أن يستره الله، ولو أخذت شارباً لأحببت أن يستره الله – عز وجل -“11.

وعن مريم بنت طارق أن امرأة قالت لعائشة – رضي الله عنها -: يا أم المؤمنين إن كَريَّا هو من يؤجر دابته أخذ بساقي وأنا محرمة، فقالت عائشة: حِجراً حِجـراً حجراً أي: ستراً وبراءة من ذلك وأعرضت بوجهها، وقالت: يا نساء المؤمنين، إذا أذنبت إحداكن ذنباً فلا تخبرن به الناس، ولتَستَغفِرَنَّ الله، ولتَتُب إليه؛ فإن العباد يُعَيِّرون ولا يُغَيِّرون، والله تعالى يُغَيِّرُ ولا يُعَيِّرُ”12.

وعن الضحاك في قوله – تعالى-: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} (20) سورة لقمان، قال: أما الظاهرة فالإسلام والقرآن، وأما الباطنة فما يستر من العيوب13.

وعن أبي الشعثاء قال: كان شرحبيل بن السمط على جيش فقال: إنكم نزلتم بأرض فيها نساء وشراب، فمن أصاب منكم حداً فليأتنا حتى نطهره، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – فكتب إليه: “لا أم لك تأمر قوماً ستر الله عليهم أن يهتكوا ستر الله عليهم14” 15.

من آثار السلف عن الستر:

“روي أن عمر – رضي الله عنه – كان يعس بالمدينة ذات ليلة، فرأى رجلاً وامرأة على فاحشة، فلما أصبح قال للناس: “أرأيتم لو أن إماماً رأى رجلاً وامرأة على فاحشة فأقام عليهما الحد ما كنتم فاعلين؟” قالوا: إنما أنت إمام، فقال علي – رضي الله عنه -: “ليس ذلك لك، إذن يقام عليك الحد، إن الله لم يأمن على هذا الأمر أقل من أربعة شهود”، ثم تركهم ما شاء الله أن يتركهم ثم سألهم فقال القوم مقالتهم الأولى، فقال علي – رضي الله عنه – مثل مقالته الأولى.

وهذا يشير إلى أن عمر – رضي الله عنه – كان متردداً في أن الوالي هل له أن يقضي بعلمه في حدود الله؟ فلذلك راجعهم في معرض التقدير لا في معرض الإخبار خيفة من أن لا يكون له ذلك، فيكون قاذفاًً بإخباره، ومال رأي علي إلى أنه ليس له ذلك، وهذا من أعظم الأدلة على طلب الشرع لستر الفواحش فإن أفحشها الزنا، وقد نيط بأربعة من العدول يشاهدون ذلك منه في ذلك منها كالميل في المكحلة، وهذا قط لا يتفق، وإن علمه القاضي تحقيقاً لم يكن له أن يكشف عنه.

فانظر إلى الحكمة في حسم باب الفاحشة بإيجاب الرجم الذي هو أعظم العقوبات، ثم انظر إلى كثيف ستر الله كيف أسبله على العصاة من خلقه بتضييق الطريق في كشفه؟ فنرجو أن لا نحرم هذا الكرم يوم تبلى السرائر.

عن عبد الرحمن بن عوف – رضي الله عنه – قال: خرجت مع عمر – رضي الله عنه – ليلة في المدينة، فبينما نحن نمشي إذ ظهر لنا سراج فانطلقنا نؤمه أي نقصده، فلما دنونا منه إذا باب مغلق على قوم لهم أصوات ولغط، فأخذ عمر بيدي وقال: أتدري من هذا؟ قلت: لا، فقال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف، وهم الآن شرب فما ترى؟ قلت: أرى أنا قد أتينا ما نهانا الله عنه قال الله – تعالى-: {وَلَا تَجَسَّسُوا} (12) سورة الحجرات، فرجع عمر – رضي الله عنه – وتركهم16، وهذا يدل على وجوب الستر، وترك التتبع.

وقد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لمعاوية: (إِنَّكَ إِنْ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ، أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ)17، وقال – صلى الله عليه وسلم -: (يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعُ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعْ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ)18.

وقال بعضهم: كنت قاعداً مع عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – إذ جاءه رجل بآخر فقال: هذا نشوان، فقال عبد الله بن مسعود: استنكهوه، فاستنكهوه فوجدوه نشواناً، فحبسه حتى ذهب سكره، ثم دعا بسوط فكسر ثمره، ثم قال للجلاد: اجلد وارفع يدك، وأعط كل عضو حقه، فجلده وعليه قباء أو مرط: فلما فرغ قال للذي جاء به: ما أنت منه؟ قال: عمه، قال عبد الله: ما أدبت فأحسنت الأدب، ولا سترت الحرمة!

احذر مواطن التهم:

وكما أن المطلوب التستر وعدم كشف أستار الناس فإن على الإنسان أيضاً أن يتقي مواضع التهم؛ صيانة لقلوب الناس عن سوء الظن، ولألسنتهم عن الغيبة، فإنهم إذا عصوا الله بذكره وكان هو السبب فيه كان شريكاً قال الله – تعالى-: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (108) سورة الأنعام.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ!) قيل: يا رسول اللَّه وكيف يلعنُ الرجلُ والدَيْه؟! قَالَ: (يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ)19.

وعن علي بن الحسين – رضي الله عنهما – عن صفية بنت حيي – رضي الله عنها – قالت: كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – معتكفاً، فأتيته أزوره ليلاً فحدثته، ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليقلبني – وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد -، فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي – صلى الله عليه وسلم – أسرعا، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: (عَلَى رِسْلِكُمَا؛ إِنَّهَاَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ) فقالا: سبحان الله يا رسول الله، قال: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا سُوءًا – أَوْ قَالَ – شَيْئًا)20.

وقال عمر – رضي الله عنه -: “من أقام نفسه مقام التهم فلا يلومنَّ من أساء به الظن”، ومر برجل يكلم امرأة على ظهر الطريق فعلاه بالدرة فقال: يا أمير المؤمنين إنها امرأتي! فقال: هلا حيث لا يراك أحد من الناس؟21”.

إن الستر يطفئ نار الفساد، ويشيع المحبة في الناس، ويورث الساتر سعادة وستراً في الدنيا والآخرة، كما أنه يثمر حسن الظن بالله – تعالى- وبالناس، وكتم الأسرار نوع من الستر يُحمَدُ عليها صاحبها من الخالق والمخلوق، فاستعن بالله على التحلي بهذه الفضيلة فهي أغلى من الجوهرة النفيسة، يدرك ذلك كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد22.

نسألك اللهم أن توفقنا لما تحب وترضى، وأن تسترنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا، آمين اللهم آمين، والحمد لله ب العالمين.

1 رواه أبو داوود (4012) والنسائي (406) وصححه الألباني في صحيح الجامع (1756).

2 رواه البخاري (2310) ومسلم (2580).

3 رواه مسلم (2590).

4 رواه مسلم (1016).

5 رواه أبو داود (4377) وأحمد (21942) وصححه الألباني في صحيح الجامع (7790).

6 رواه البخاري (503) ومسلم (2763) واللفظ له.

7 رواه البخاري (5721) ومسلم (2990).

8 رواه البخاري (3223).

9 رواه أبو داود (14) والترمذي (14)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (4652).

10 رواه الإمام مالك في الموطأ (40) وأبو داود (376) والنسائي (224) وصححه الألباني في تحقيق سنن أبي داود (362).

11 رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (28082) (ج 5/ ص 5474).

12 رواه إسحاق ابن راهويه في مسنده (1660) (ج 3/ ص 953).

13 الدر المنثور (ج 6/ ص 526).

14 رواه عبد الرزاق في مصنفه (9371) (ج 5/ ص 197).

15 موقع الشبكة الإسلامية.

16 رواه الحاكم في المستدرك (8136) (ج 4/ 419) والبيهقي (17403) (ج 8/ ص 333).

17 رواه أبو داود (4888) وابن حبان (5760) وصححه الألباني في صحيح الجامع (2295).

18 رواه أبو داود (4880) وأحمد (19791) وصححه الألباني في صحيح الجامع (7984).

19 رواه البخاري (5628) ومسلم (90).

20 رواه البخاري (3107) ومسلم (2175).

21 بتصرف يسير من كتاب إحياء علوم الدين (ج 2 / ص 201-202).

22 الشبكة الإسلامية.

هم الأخسرون ورب الكعبة

الحمد لله الذي حث عباده على الجود والإنفاق، وضمن لهم ما يحتاجونه من الأموال والأرزاق، والصلاة والسلام على من عم جوده وعطاءه الآفاق، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم التلاق.

أما بعد:

أخي المسلم: جاء في البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي ذر قال: انتهيت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول في ظل الكعبة: (هم الأخسرون ورب الكعبة، هم الأخسرون ورب الكعبة) قلت: ما شأني أيرى في شيء، ما شأني1؟ فجلست إليه وهو يقول، فما استطعت أن أسكت وتغشاني ما شاء الله، فقلت: من هم بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ قال: (الأكثرون أموالاً، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا)2 وزاد الترمذي: (إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا) فحثا بين يديه وعن يمينه وعن شماله، ثم قال: (والذي نفسي بيده! لا يموت رجل فيدع إبلا أو بقرا لم يؤد زكاتها إلا جاءته يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس).3

فهذا حديث عظيم في بابه حيث أن فيه معاني كثيرة جليلة وعليه يدور محور درسنا إن شاء الله تعالى.

يدل الحديث على أن الأموال فيها حقوق ومسؤوليات، فليست القضية جمعاً ومنعاً أو جمعاً من باطل وصرفاً في باطل، وإنما سيسأل الغني عن أمواله كيف ادخرها وفي أي شيء صرفها، كما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من حديث أبي برزة الأسلمي أنه قال: (لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم).4

فيا أخي المسلم: هل حاسبت نفسك عن مالك، من أين اكتسبته، وفيم أنفقته؟ هل اكتسبته من حلال وأنفقته في حلال؟ أم اكتسبته من حرام وأنفقته في حرام؟ أم اكتسبته من حلال وأنفقته في الحرام؟

وبما أن المال سبب موصل إما إلى الجنة وإما إلى النار، فالاستعانة به على طاعة الله، وإنفاقه في سبل الخيرات، يعد سبباً موصلاً إلى رضوان الله والفوز بالجنة، واستعانة الإنسان به على معصية الله، وإنفاقه في تحصيل الشهوات المحرمة، والاشتغال به عن طاعة الله، يكون سبباً في غضب الله عليه واستحقاقه العقاب الأليم. كما قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (34) سورة التوبة.

واعلم أخي في الله: أن الله سبحانه أخبر أن من أنفق ماله في الصد عن سبيل الله، فسوف يلحقه الخزي والندامة يوم القيامة، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} (36) سورة الأنفال.

وقال سبحانه عن الذين استعانوا بالمال على طاعة الله وأنفقوه في مرضاته: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ* لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} (29-30) سورة فاطر.

والنبي -صلى الله عليه وسلم- أرشد وبين أن كنز المال وعدم إنفاق الواجب منه سبب في تحقق الخسران في الآخرة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار)، قيل يا رسول الله فالإبل؟ قال: (ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها ومن حقها حلبها يوم وردها إلا إذا كان يوم القيامة بُطح5 لها بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلاً واحداً تطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) قيل: يا رسول الله، فالبقر والغنم؟ قال: (ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئاً ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء6 تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافه7 كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار).8

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته، مثل له شجاعاً أقرع له زبيبتان9، يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه -يعني شدقيه- يقول: أنا مالُك، أنا كنزك) ثم تلا هذه الآية: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (180) سورة آل عمران. إلى آخر الآية.10

فالرزق مقسوم، والحريص محروم، والحسود مغموم، والبخيل مذموم.

قال أحدهم:

لا تحسدن أخا حرص على سعة
إن الحريص لمشغول بشقوته

وانظر إليه بعين الماقت القالي
على السرور بما يحوي من المال11

قال أبو حاتم رضي الله عنه: البخل شجرة في النار أغصانها في الدنيا من تعلق بغصن من أغصانها جره إلى النار كما أن الجود شجرة في الجنة أغصانها في الدنيا فمن تعلق بغصن من أغصانها جره إلى الجنة.12

أفضل ما ينفق فيه المال:

ولا شك أن سبل الخير كثيرة ومتتنوعة، وكل ميسر لما خلق له، فكفالة الأيتام والنفقة على الأرامل سبيل، وبناء المساجد وإصلاح الطرق وتيسير المياه للناس سبيل، وإطعام الفقراء والمساكين والمعوزين سبيل، ودعم المجاهدين وتجهيزهم سبيل، ولكن من أفضل وأحسن ما ينفق فيه المحسنون، ويبذل فيه الموسرون أموالهم هو بث العلم ونشره، وتعهد العلماء، وطلاب العلم الشرعي، والدعاة، وكذا في الجهاد في سيبل الله، هذا كله بعد صدق النية وتجنب الأذية بالمن والأذى.

وقد جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: “من آتاه الله منكم مالاً فليصل به القرابة، وليُحْسِن فيه الضيافة، وليَفُكَّ فيه العاني والأسير وابن السبيل والمساكين والفقراء والمجاهدين، وليصبر فيه على النائبة؛ فإن بهذه الخصال ينال كرم الدنيا وشرف الآخرة”.13

وقال العالم التاجر المجاهد عبد الله بن المبارك -رحمه الله- -وقد عُوذل في إنفاقه على العلماء وطلاب العلم، وعوتب في ذلك، وكان ذلك هو الدافع له للاشتغال بالتجارة، دون أن يقتصر على بلده-: “إني أعرف مكان قوم لهم فضل وصدق، طلبوا الحديث فأحسنوا طلبه، لحاجة الناس إليهم احتاجوا، فإن تركناهم ضاع علمهم، وإن أعناهم بثوا العلم لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، لا أعلم بعد النبوة أفضل من بث العلم”.14

نموذج من السلف الصالح في البذل والعطاء:

العالم المجاهد عبد الله بن المبارك: (118-181ﻫ):

لقد كان ابن المبارك -رحمه الله- من الأسخياء الأجواد، وكان سخاؤه لجميع الناس سيما العلماء وطلاب العلم والإخوان.

قال الخطيب البغدادي -رحمه الله-: وبلغنا أنه قال للفضيل بن عياض: لولاك وأصحابك ما اتجرت. وكان ينفق على الفقراء في كل سنة مائة ألف درهم.

وجاء رجل يوماً إلى عبد الله بن المبارك فسأله أن يقضي دينا عليه، فكتب له إلى وكيل له، فلما ورد عليه الكتاب قال له الوكيل: كم الدين الذي سألت فيه عبد الله أن يقضيه عنك، قال: سبعمائة درهم، فكتب إلى عبد الله بن المبارك: إن هذا الرجل سألك أن تقضي عنه سبعمائة درهم وكتبت له سبعة آلاف درهم وقد فنيت الغلات، فكتب إليه عبد الله: إن كانت الغلات قد فنيت فإن العمر أيضاً قد فني فأجز له ما سبق به قلمي.15

وكان يقول: لولا خمسة ما اتجرت، فقيل له: يا أبا محمد، من الخمسة؟ فقال: سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والفضيل بن عياض، ومحمد بن السماك، وابن علية.

وكان يخرج فيتجر إلى خراسان فكلما ربح من شيء أخذ القوت للعيال ونفقة الحج والباقي يصل به إخوانه الخمسة.16

وقال الذهبي: كان ابن المبارك غنياً شاكراً، رأس ماله نحو الأربعمائة ألف.

قال علي بن خَشْرم: قلت لعيسى بن يونس: كيف فضلكم ابن المبارك ولم يكن بأسن منكم؟ قال: كان يقدم ومعه الغِلْمة الخرسانية، والبزَّة الحسنة، فيَصِل العلماء، ويعطيهم، وكنا لا نقدر على هذا.17

وممن كان يتكفل بهم ويصلهم إسماعيل بن علية، فلما ولي القضاء أو الصدقات لهارون الرشيد قطع صلته عنه، وكتب إليه بهذه الأبيات:

يا جاعل العِلْم له بازيـاً
احتلت للدنيـا ولذاتهــا
فصرتَ مجنوناً بها بعدما
أين رواياتك في سـردها
أين رواياتك فيمـا مضى
إن قلتَ أكرهتُ فماذا كذا

يصطـاد أموال المساكين
بحيلـة تذهب بالـدِّيـن
كنتَ دواءً للمجَــانيـن
عن ابن عَوْن وابن سيرين
في ترك أبواب السَّلاطين
زل حِمارُ العِلم في الطين

فلما قرأها إسماعيل اعتزل منصبه، وعاوده ابن المبارك بصلاته، فعلم الرشيد بذلك، فقال: لعل هذا المجنون كتب إليه أو قابله.18

وما إلا واحد من فضلاء السلف، وإلا فالذين اشتهروا من الصحابة والتابعين ومن تبعهم أناس كثير كسعد بن عبادة، وجعفر بن أبي طالب، و الليث بن سعد، وغيرهم ممن اشتهروا بالعلم والجود والكرم.

نسأل الله تعالى أن لا يجعلنا من المكثرين مالاً الأخسرين أعمالاً، وأن يرزقنا حلالاً مما يعيننا به على طاعته، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

1 قوله: (ما شأني) أي: ما حالي وما أمري هل أنزل في شيء.

2 رواه البخاري (6262) ومسلم (30).

3 رواه الترمذي (617) وصححه الألباني:انظر حديث رقم: (7046) في صحيح الجامع.

4 رواه الترمذي (2417) وحسنه الألباني: انظر حديث رقم: (7299) في صحيح الجامع.

5 (بطح): معناه: ألقي على وجهه.

6 (ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء): قال أهل اللغة: العقصاء ملتوية القرنين والجلحاء التي لا قرن لها والعضباء التي انكسر قرنها الداخل.

7 (تطؤه بأظلافها): الأظلاف جمع ظلف وهو للبقر والغنم بمنزلة الحافر للفرس.

8 رواه مسلم (987).

9 زبيبتان: نابان يخرجان من فمه أو نقطتان سوداوان فوق عينيه وهو أوحش ما يكون من الحيات وأخبثه.

10 رواه البخاري (4289).

11 الآداب الشرعية لابن مفلح (3/472).

12 روضة العقلاء ونزهة الفضلاء: محمد بن حبان البستي: دار الكتب العلمية – بيروت ، 1397هـ – 1977م (1/238).

13 روضة العقلاء و نزهة الفضلاء للإمام ابن حبان البستي: (1/86).

14 سير أعلام النبلاء للذهبي (8/387).

15 تاريخ بغداد لأبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي: دار الكتب العلمية – بيروت (10/159).

16 المرجع السابق: (6/235)

17 سير أعلام النبلاء (8/409-410).

18 تاريخ بغداد: (6/236) بتصرف.

موانع الهداية

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن أغلى ما سعى إلى تحصيله الموفقون، وأفضل ما تسابق إليه المتسابقون: سلوك طريق المهتدين بدءاً من الأنبياء والمرسلين، ثم سائر عباد الله الصالحين؛ ذلك أن الهداية ميزة وخصيصة يختص بها الله من شاء من خلقه، ولا يمكن لأي أحد يحصل عليها إلا بتوفيق الله، وبذل هذا الإنسان للأسباب الجالبة لها.

فالهداية لا يمكن لأصحاب المليارات أن يحصلوا عليها، ولا يمكن لأصحاب الثروات الطائلة أن يمتلكوها، ولا يمكن لأصحاب الجاه والرياسة والسلطان أن يحصلوها إلا من وفقه الله تبارك وتعالى فعمل الأسباب الجالبة لها.

بل لا يمكن لأحد من البشر أن يهدي أحداً من أقاربه وأحبابه؛ حتى الأنبياء والرسل لا يمكنهم أن يهدوا من شاءوا وأحبوا؛ فهذا نبي الرحمة كان حريصاً على هداية عمه وإسلامه، ولكنه لم يسلم، بل مات على ملة آبائه وأجداده، قال الله تعالى مخاطباً نبيه: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء} سورة القصص(56).

فالهداية غالية، لم يوفق لها إلا من كان أهلاً لها، ولذلك فإن الكفار لم يوفقوا للهداية؛ لأنهم لم يسلكوا طريقها، ولم يعملوا الأسباب المحصلة لها، قال الله نافياً عنهم الهداية: {وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}، وقال: {وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، وقال: {وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} وغير ذلك من الآيات التي تدل أن الله نفى الهداية عن القوم الكافرين والظالمين والفاسقين.

وأما المسلمون فإنهم سلكوا طريق الهداية، وبذلوا الأسباب التي تؤهلهم للحصول عليها، ومن ذلك سؤال الله الهداية في كل ركعة من ركعات صلاتهم، فهم يقولون: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} سورة الفاتحة(6) ذلك أن المسلم لا غنى لها عن هداية الله وتوفيقه، بل هو مفتقر إلى ذلك؛ وهو كذلك بحاجة أن يثبته الله على الهداية، وأن لا يزيغ قلبه؛ يقول ابن كثير-رحمه الله-: “فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية ورسوخه فيها وتبصره وازدياده منها واستمراره عليها، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق، فالسعيد من وفقه الله تعالى لسؤاله، فإنه قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه، ولاسيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ} سورة النساء(136) فقد أمر الذين آمنوا بالإيمان وليس ذلك من باب تحصيل الحاصل؛ لأن المراد الثبات والاستمرار والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك، والله أعلم، وقال تعالى آمرا لعباده المؤمنين أن يقولوا: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} سورة آل عمران(8)، وقد كان الصديق -رضي الله عنه- يقرأ بهذه الآية في الركعة الثالثة من صلاة المغرب بعد الفاتحة سراً، فمعنى قوله تعالى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} استمر بنا عليه ولا تعدل بنا إلى غيره”1.

وقد كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- في قنوت الوتر: (اللهم اهدني فيمن هديت..) أي في جملة من هديتم، أو هديته من الأنبياء والأولياء؛ كما قال سيلمان: {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} سورة النمل(19)، وعلم نبينا -صلى الله عليه وسلم- هذا الدعاء كذلك أصحابه..

ولكن هناك موانع تمنع الإنسان من أن يسلك طريق الهداية، سواء كانت الهداية من الكفر إلى الإيمان، ومن الشرك إلى التوحيد، أو الهداية من البدعة إلى السنة، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن أخطر هذه الموانع ما يلي:

أولاً: ضعف المعرفة، فإن كمال العبد في أمرين: معرفة الحق من الباطل، وإيثار الحق على الباطل، فإن من الناس من يعرف الحق لكن إيثاره على الباطل قد يكون عنده ضعيفا، والجاهل إذا عرف كان قريب الانقياد والاتباع، وبهذا يكون قد قطع نصف الطريق إلى الحق وما بقي عليه إلا قوة العزيمة على الرشد، وقد كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد)2، وهذا السبب هو الذي حال بين كثير من الكفار وبين الإسلام، فإنهم لا يعرفون عنه شيئا، ومع ذلك يكرهونه، وكما قيل: الناس أعداء لما جهلوا..

ومن المؤسف جهل بعض المسلمين بحقيقة هذا الدين، فمنهم من يقول: إذا تبت وأنبت إلى الله وعملت صالحاً ضيق علي رزقي ونكد علي معيشتي، وإذا رجعت إلى المعصية وأعطيت نفسي مرادها جاءني الرزق والعون!! ونحو هذا هو يعبد الله من أجل بطنه وهواه، وإذا حصل مثل هذا فالله يختبر صدق العبد وصبره، فلا إله إلا الله! كم فسد بهذا الاغترار من عابد جاهل، ومتدين لا بصيرة له، ومنتسب إلى العلم لا معرفة له بحقائق الدين، أما قرأت قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} سورة الحج(11)، فسبحان الله! كم صدت هذه الفتنة الكثير عن القيام بحقيقة هذا الدين، والسبب: الجهل بالدين، والجهل بحقيقة النعيم الذي يطلبه ويعمل من أجل أن يصل إليه.. كم نسبة نعيم الدنيا بالنسبة لنعيم الآخرة؟ أما الأوامر والنواهي فهي رحمة وحمية، ونغص الله الدنيا على المؤمنين حتى لا يطمئنوا إليها ويركنوا إليها، وحتى يرغبوا في نعيم الآخرة..

ثانياً: عدم الأهلية، فإنه قد تكون المعرفة تامة لكن يتخلف عنه عدم زكاة المحل وقابليته؛ قال الله تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} سورة لأنفال(23) مثل الأرض الصلدة التي يخالطها الماء، فإنه يمتنع النبات فيها لعدم قبولها، فإذا كان القلب قاسياً لم يقبل النصائح، وأبعد القلوب من الله: القلب القاسي، وكذا إذا كان القلب مريضاً، فلا قوة فيه ولا عزيمة، لم يؤثر فيه العلم.

ومن صفات قساة القلوب كما وصفهم الله: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} سورة لزمر(45).

ثالثاً: الكبر والحسد: وقد فسر النبي -عليه الصلاة والسلام- الكبر بقوله: (الكبر بطر الحق، وغمط الناس)3 فالمتكبر متعصب لقوله وفعله، وذلك هو الذي حمل إبليس على عدم الانقياد للأمر لما أمر بالسجود، وهو داء الأولين والآخرين-إلا من رحم الله-، وبه تخلف اليهود عن الإيمان بالرسول، وقد عرفوه وشاهدوه، وعرفوا صحة نبوته: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} سورة البقرة(146) فذكر سبحانه أنهم يعرفون صفات الرسول كما يعرفون أبناءهم ولكنهم قوم بهت.

وبهذا الداء امتنع عبد الله بن أبي بن سلول عن الإيمان، وبه تخلف الإيمان عن أبي جهل، ولهذا لما سأله رجل عن امتناعه مع أنه يعرف أنه صادق قال: “تسابقنا نحن وبنو هاشم على الشرف حتى إذ ا كنا كفرسي رهان قالوا، منا نبي، فمتى ندركها؟ والله لا نؤمن به!. وكذلك سائر المشركين فإنهم كلهم لم يكونوا يرتابون في صدقه، وأن الحق معه، ولكن حملهم الكبر والحسد على الكفر والعناد.

رابعاً: مانع الرياسة: ولو لم يكن في صاحبه حسد ولا كبر عن الانقياد للحق لكن لا يمكنه أن يجتمع له الانقياد للحق ملكه ورياسته، فيضن بملكه ورياسته، كحال هرقل وأضرابه، فإنه قال في آخر كلامه مع أبي سفيان: “فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين، ولو أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه”4 أنه لا يستطيع الوصول إليه لتخوفه على حياته ومملكته من قومه.. وما نجا من هذا الداء -وهو داء أرباب الولاية- إلا من عصم الله كالنجاشي، وغيره.

وهذا هو داء فرعون وقومه: {فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} سورة المؤمنون(47)، وقد قيل: إن فرعون لما أراد متابعة موسى وتصديقه شاور هامان وزيره، فقال له: بينما أنت إله تعبد تصير عبدا تعبد غيرك، فاختار الرياسة على الهداية.

خامساً: ومن موانع الهداية: مانع الشهوة والمال: وهو الذي منع كثيراً من أهل الكتاب من الإيمان خوفاً من بطلان مآكلهم وأموالهم التي تصير إليهم من قومهم، وقد كان كفار قريش يصدون الرجل عن الإيمان بحسب شهوته، فيدخلون عليه منها، فكانوا يقولون لمن يحب الزنا: إنه يحرم الزنا، ويقولون لمن يحب الخمر: إنه يحرم الخمر، وبه صدوا الأعشى الشاعر عن الإسلام، وأخبروه بأنه يحرم الخمر، فرجع وهو في طريقه إلى الرسول، فوقصته ناقته فسقط فمات.

سادساً: مانع محبة الأهل والأقارب والعشيرة: فيرى أنه إذا اتبع الحق وخالفهم أبعدوه وطردوه عنهم، وهذا سبب بقاء خلق كثير من الكفار بين قومهم وأهليهم وعشائرهم، وهذه الحالة تحصل كثيرا بين اليهود والنصارى، وكيف أنهم ينبذون كل من خالف مذهبهم ويعادونه كلهم، مما جعل كثيرا من أبنائهم وممن ينتسب إليهم يتركون الحق بعد معرفته ويعرضون عنه.

ومن يك ذا فم مر مريض ***** يجد مرا به الماء الزلالا

سابعاً: محبة الدار والوطن: وإن لم يكن بها عشيرة ولا أقارب، لكن يرى أن في متابعته للرسول أو أهل الحق الذين اتبعوه فيه خروج عن داره ووطنه إلى دار الغربة، فيضن بوطنه على متابعة الحق أو الدخول في الإسلام بعد تيقنه، ومن قرأ سيرة سلمان وما لاقى من المتاعب في سبيل الوصول إلى الحق علم أي مجاهدة جاهد بها نفسه، وكيف ترك أهله وعشيرته ووطنه وهاجر إلى المدينة، وقد سمي “الباحث عن الحقيقة”، وكذا الأمر في سائر الصحابة الذين تركوا أهلهم وأبناءهم وأموالهم وخرجوا إلى مدينة الرسول يبتغون فضلا من الله ورضوانا، وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون.

ثامناً: ومن موانع الهداية: من تخيل أن في الإسلام ومتابعة الرسول إزراء وطعنا منه على آبائه وأجداده، وهذا هو الذي منع أبا طالب وأمثاله عن الإسلام، فرأوا أنهم إذا أسلموا سفهوا أحلام آبائهم وأجدادهم، ولهذا قال أعداء الله لأبي طالب عند الموت: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فكان آخر ما قاله هو على ملة عبد المطلب5 فصدوه عن الحق من هذا الباب، لعلمهم بتعظيمه أباه عبد المطلب.

وقد قرر أبو طالب ذلك في شعره فقال:

ولقد علمت بأن دين محمد ***** من خير أديان البرية دينا

لولا الملامة أو حذار مسبة ***** لوجدتني سمحا بذاك مبينا

تاسعاً: متابعة من يعاديه من الناس أو دخوله في الإسلام أو سبقه إليه: وهذا القدر منع كثيرا من اتباع الهدى بعد معرفته، حيث يكون للرجل عدو ويبغض مكانه ولا يحب أرضا يمشي عليها ويقصد مخالفته؛ فيراه قد اتبع الحق فيحمله بغضه له على معاداة الحق وأهله ولو لم يكن بينه وبينهم عداوة، وهذا كما جرى لليهود مع الأنصار فإنهم كانوا أعداءهم وكانوا يتواعدونهم بخروج النبي وأنهم يتبعونه ويقاتلونهم معه، فلما سبقهم الأنصار إليه وأسلموا حملتهم معاداتهم على البقاء على كفرهم ويهوديتهم.

عاشرا: مانع الألفة والعادة والمنشأ، وهذا السبب وإن كان أضعف الأسباب معنى فهو أغلبها على الأمم وأرباب المقالات والنحل، وليس من أكثرهم بل جميعهم إلا ما عسى أن يشذ.

ودين العوائد هو الغالب على أكثر الناس، والانتقال عنه كالانتقال من طبيعة إلى طبيعة ثانية، فصلوات الله وسلامه على أنبيائه ورسله خصوصا على خاتمهم وأفضلهم محمد، وكيف غيروا عادات الأمم الباطلة ونقلوهم إلى الإيمان حتى استحدثوا به طبيعة ثانية خرجوا بها عن عاداتهم وطبيعتهم الفاسدة المتمثلة في قولهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} سورة الزخرف(23)، ولا يعلم مشقة هذا على النفوس إلا من زاول تقل رجل واحد عن دينه ومقالته إلى الحق، فجزى الله المرسلين أفضل ما جزى به أحدا من العالمين6.

أخي المسلم: إن مما يجب عيك أن تعلمه أن هذه الموانع ليست موانع شرعية تمنع الإنسان من الهداية، ومن طلبها وسلوك طريقها، وإنما هي موانع استقيناها من خلال نصوص الكتاب والسنة، ومن خلال واقع الناس، وبقدرة الإنسان التخلص من كل تلك الموانع إذا أراد لنفسه النجاة من عذاب الله والفوز برضاه..

وكذلك يجب على المسلم أن يبتعد عن كل مانع يمنعه من سلوك طريق الهداية، وعليه أن يطلب الهداية ويبحث عنها كما يطلب الماء والغذاء والدواء بأن يبذل الأسباب المحصلة لها، والمثبتة عليها.

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. سبحانك الله وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

1 تفسير القرآن العظيم( 1/50)لابن كثير.

2 رواه أحمد والنسائي، وهو في السلسلة الصحيحة، رقم(3228).

3 أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود.

4 رواه البخاري.

5 القصة بكاملها أخرجها البخاري ومسلم.

6 للمزيد يراجع: مطوية:”موانع الهداية” لعبدالرحمن بن يحيى.

من سنن الله في الكون

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فقد حث الله تعالى على النظر والتأمل والتدبر في آياته الكونية والشرعية؛ فقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ} سورة آل عمران(190)، وقال: {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} سورة ق(6)، وقال تعالى: {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ* وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} سورة الغاشية (17)(20). وقال تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ} سورة آل عمران(137)، وقال تعالى: {سُنَّتَ اللَّهِ الَتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُونَ} سورة غافر(85)، وقال تعالى: {إلاَّ أَن تَاًتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ} سورة الكهف(55).

وسنن الله في هذا الكون تسير على وفق ما أراد الله -سبحانه- فلا تتغير ولا تتبدل ولا تتحول، ولا تحيد ولا تميل، ولا تجامل ولا تحابي، ولا تتأثر بالأماني وإنما بالأعمال، قال تعالى: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تََجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} سورة فاطر(43)، وقال تعالى: {سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} سورة الإسراء(77).

وفي هذا الدرس سنتعرف -بإذن الله- على بعض آيات الله وسننه في هذا الكون، فنقول وبالله وحده نستعين..

السنة الأولى: سنة الابتلاء، يقول الله -سبحانه وتعالى-: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ} سورة العنكبوت(2، 3) فهذه سورة العنكبوت تسمى سورة الابتلاء والامتحان؛ يقول ابن القيم-رحمه الله-: “ذكر سبحانه –أي في هذه السورة- ابتلاء نوح بقومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وابتلاء قومه بطاعته فكذبوه فابتلاهم بالغرق، ثم بعده بالخرق، ثم ذكر ابتلاء إبراهيم بقومه وما ردوا عليه وابتلاهم بطاعته ومتابعته، ثم ذكر ابتلاء لوط بقومه وابتلاءهم به وما صار إليه أمره وأمرهم، ثم ذكر ابتلاء شعيب بقومه وابتلاءهم به وما انتهت إليه حالهم وحاله، ثم ذكر ما ابتلى به عادا وثمود وقارون وفرعون وهامان وجنودهم من الإيمان به وعبادته وحده، ثم ما ابتلاهم به من أنواع العقوبات، ثم ذكر ابتلاء رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- بأنواع الكفار من المشركين وأهل الكتاب، وأمره أن يجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن، ثم أمر عباده المبتلين بأعدائه أن يهاجروا من أرضهم إلى أرضه الواسعة فيعبدونه فيها، ثم نبههم بالنقلة الكبرى من دار الدنيا إلى دار الآخرة على نقلتهم الصغرى من أرض إلى أرض، وأخبرهم أن مرجعهم إليه فلا قرار لهم في هذه الدار دون لقائه، ثم بين لهم حال الصابرين على الابتلاء فيه بأنه يبوئهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، فسلاهم عن أرضهم ودارهم التي تركوها لأجله وكانت مباء لهم بأن بوأهم دارا أحسن منها، وأجمع لكل خير ولذة ونعيم مع خلود الأبد، وأن ذلك بصبرهم على الابتلاء وتوكلهم على ربهم، ثم أخبرهم بأنه ضامن لرزقهم في غير أرضهم كما كان يرزقهم في أرضهم فلا يهتموا بحمل الرزق، فكم من دابة سافرت من مكان إلى مكان لا تحمل رزقها ! ثم أخبرهم أن مدة الابتلاء والامتحان في هذه الدار قصيرة جدا بالنسبة إلى دار الحيوان والبقاء، ثم ذكر سبحانه عاقبة أهل الابتلاء ممن لم يؤمن به، وأن مقامهم في هذه الدار تمتع وسوف يعلمون عند النقلة منها ما فاتهم من النعيم المقيم وما حصلوا عليه من العذاب الأليم، وذكر عاقبة أهل الابتلاء ممن آمن به وأطاع رسله وجاهد نفسه وعدوه في دار الابتلاء ما به هاديه وناصره، فأخبر سبحانه أن أجلّ عطاه وأفضله في الدنيا والآخرة هو لأهل الابتلاء الذين صبروا على ابتلائه، وتوكلوا عليه، وأخبر أن أعظم عذابه وأشقه هو للذين لم يصبروا على ابتلائه وفروا منه وآثروا النعيم العاجل عليه.. فمضمون هذه السورة هو سر الخلق والأمر، فإنها سورة الابتلاء والامتحان، وبيان حال أهل البلوى في الدنيا والآخرة، ومن تأمل فاتحتها ووسطها وخاتمها وجد في ضمنها أن أول الأمر ابتلاء وامتحان ووسطه صبر وتوكل وآخره هداية ونصر والله المستعان”1.

وهذه السنة ثابتة غير متغيرة؛ فهذا ورقة بن نوفل الذي كان لديه علم بما عند أهل الكتاب يقول للنبي بعد سماعه خبر نزول الوحي لأول مرة كما أخرج ذلك البخاري: “يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حيّاً إذ يخرجك قومك”، فيسأله النبي -صلى الله عليه وسلم- في تعجب : (أَوَ مخرجي هم؟!)، قال: “نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي”. وهذا قيصر الروم يقول في حديثه مع أبي سفيان كما في البخاري: “سألتك كيف كان قتالكم إياه، فزعمت أن الحرب سجال ودول، فكذلك الرسل : تبتلى، ثم تكون لهم العاقبة”.. وجاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم عن عياض بن جمار المجاشعي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (… إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان، وإن الله أمرني أن أحرق قريشاً، فقلت: ربي، إذاً يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة، قال: استَخْرِجْهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك).

فالابتلاء وسيلة هامة لتمييز الصفوف، وتمحيص القلوب، ومعرفة المؤمن الصادق من المنافق المخادع، والعدو من الصديق، كما قال بعضهم:

جزى الله الشدائد كل خير *** وإن كانت تغصصني بريقي

وما حـبي لها إلا لأنـي *** عرفت بها عدوي من صديقي

فالصادق والكاذب لا يُعرفون إلا في وقت الشدة والمحنة والابتلاء، ويشهد لذلك قصة الملأ من بني إسرائيل كما في سورة البقرة فلم يثبت منهم إلا فئة قليلة من الذين كان إيمانهم راسخاً ثابتاً في قلوبهم فلم يتزلزلوا ولم يتضعضعوا، بل قالوا كما حكى الله عنهم: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ} سورة البقرة(249)، وقد بين ذلك الأستاذ محمد قطب فضرب لذلك مثلا فقال: “أرأيت لو أنّ قائداً أراد إعداد جنوده للفوز في معركة صعبة ضارية، أيكون من الرحمة بهم أن يخفف لهم التدريب، ويهوِّن لهم الإعداد، أم تكون الرحمة الحقيقية بهم أن يشدد عليهم في التدريب، على قدر ما تقتضيه المعركة الضارية التي يعدِّهم من أجلها؟ والمؤمنون هم حزب الله وجنوده ولله المثل الأعلى والمعركة التي يعدهم من أجلها هي المعركة العظمى: “معركة الحق والباطل، التي ينصر فيها الله الحق على يد أولئك الجنود حسبما اقتضت مشيئته وجرت سنته”2.

السنة الثانية: التمحيص، وهذه السنة تعتبر نتيجة مترتبة على سنة الابتلاء وفائدة لها؛ فيمحص الله بالابتلاء ما في الصدور، ويخرج ما في القلوب؛ كما قال تعالى: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} سورة آل عمران(154)، وقال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} سورة آل عمران(179)، قال ابن القيم -رحمه الله-: “ما كان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمنين بالمنافقين حتى يميز أهل الإيمان من أهل النفاق كما ميزهم بالمحنة يوم أحد”3.

السنة الثالثة: سنة التمكين، وهذه السنة لا تتحق إلا بعد سنة التمحيص، فهذا الإمام الشافعي-رحمه الله- يسأل: “أيما أفضل للرجل: أن يمكّن أو يبتلى؟ فقال: لا يمكّن حتى يبتلى، فإن الله ابتلي نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- فلما صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم البتة”4. فهذه السنن مرتبطة ببعضها، فلا تمكين بلا تمحيص، ولا تمحيص بلا ابتلاء؛ إذ متى تحققت أوائلها تحققت أواخراها..

السنة الرابعة: سنة التغيير، قال الله سبحانه: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} سورة الرعد(11)، فلن يغير الله حال أمة أو قوم حتى يغيروا ما أنفسهم، فإذا وجد التغير من قوم غير الله حالهم، فإذا كان التغير إلى الأفضل كانت النتيجة مشرفة، وإنا التغير -والعياذ بالله- إلى الأسوأ كانت النتيجة مخزية-نسأل الله العافية والسلامة-؛ قال العلامة ابن القيم-رحمه الله-:”فأخبر الله تعالى إنه لا يغير نعمته التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه، فيغير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غير غيّر عليه جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد؛ فإن غير المعصية بالطاعة غير الله عليه العقوبة بالعافية، والذل بالعز”5، قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} سورة الرعد(11)، قال القرطبي-رحمه الله- عند تفسيره لهذه الآية: “أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يغير ما بقوم حتى يقع منهم تغيير إما منهم، أو من الناظر لهم، أو ممن هو منهم بسبب؛ كما غير الله بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة بأنفسهم إلى غير هذا من أمثلة الشريعة، فليس معنى الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه ذنب، بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير كما قال صلى الله عليه وسلم وقد سئل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم إذا كثر الخبث)6..

السنة الخامسة: المداولة، وذلك بأن تداول الأيام بين الناس، فالأحوال لا تدوم على أحد لا دول ولا قبائل ولا أفراد، بل تدال من الشدة إلى الرخاء، ومن الرخاء إلى الشدة، ومن النصر إلى الهزيمة، ومن الهزيمة إلى النصر، قال تعالى: {إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} سورة آل عمران(140).

هي الأمور كما شاهدتها دول *** من سره زمن ساءته أزمان

وهذه الدار لا تبقي على أحد ***ولا يدوم على حال لها شان

فهذه بعض سنن الله في الكون لا تحابي ولا تجامل أحداً بل هي سائرة على وفق ما أراد الله تعالى، كما قال: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} سورة الفتح(23)،

واللهَ نسأل أن يغير حال المسلمين من الضعف إلى القوة، والذلة إلى العزة، والهزيمة إلى النصر، ومن الفقر إلى الغنى، ومن المرض إلى الصحة. اللهم وفقنا وجميع المسلمين لطاعتك، وجنبنا معصيتك، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

1 شفاء العليل، صـ(247).

2 حول التفسير الإسلامي للتاريخ، صـ( 111) لمحمد قطب.

3 زاد المعاد(3/196).

4 الفوائد، صـ(208) لابن القيم.

5 الجواب الكافي(49).

6 الحديث أخرجه البخاري ومسلم، وللمزيد يراجع: الجامع لأحكام القرآن(9/247).