Archive for 25 مايو, 2009

فقه الاختيار

فقه الاختيار
عناصر الموضوع
1.الاختيار سنة الله تعالى
2.حسن اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم
3.البحث عن الخيار الأصلح
4.حسن الاختيار وفوائده
5.نتائج سوء الاختيار
6.قواعد وضوابط الاختيار
7.الاستخارة
8.الاستشارة
9.لا مجال للحرام في الاختيارات
10.تقديم حفظ الدين على غيره عند الاختيار
11.محاذير في قضايا الاختيار
12.معايير الاختيار
13.أمثلة في الاختيارات
14.أشياء لا اختيار فيها
15.حرية الاختيار بابٌ ولج منه أعداء الدين

الاختيار سنة الله تعالى في خلقه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله .
الحمد لله القائل : {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ }(القصص: من الآية68).
فهو -سبحانه وتعالى- يختار من خلقه ما يشاء ومن يشاء لما يريد من الوظائف والأعمال، والتكاليف والمقامات، ولا يملك أحد أن يقترح عليه شخصاً، ولا حادثاً ولا قولاً ولا فعلا،{ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ } ، لا في شأن أنفسهم ولا في شأن غيرهم، الاختيار هو الانتقاء والاصطفاء، هو سنة من سنن الله تعالى في خلقه، خلق السماوات فجعلهن سبعاً، واختار السابعة لأن تكون مكاناً للملأ الأعلى، وخلق الشهور فجعلها اثني عشرَ شهراً، واختار من بينها رمضان ليكون أفضل الشهور، وخلق الأيام فجعلها سبعة، واختار منها الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وعرفة أفضل أيام العام ، وخلق الليالي، واختار منها ليلة القدر فجعلها أفضل الليالي .
واختار من الأمكنة: البيت الحرام، فجعله أفضل البقاع.
وخلق الكائنات، واختار منها الإنسان ليكون أفضلها وأعلاها : {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}(الاسراء: من الآية70).
واختار آدم أبًا للبشرية, فخلقه بيده وأحسن صورته, وعلَّمه الأسماء كلَّها, وأسجد له ملائكته, وأسكنه الجنة.
وبعث من رسله ملائكةً وبشراً {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ}(الحج: من الآية75).
واختار من بينهم خمسة؛ وهم أولو العزم من الرسل فجعلهم أفضل أنبيائه. {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} (آل عمران:33). واختار الرسول صلى الله عليه وسلم من العرب, من أشرف قبيلة، فهو خيار من خيارِ من خيار: ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْماَعِيلَ, وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ, وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ, وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ))، رواه مسلم .
هذا الاختيار سنة من الله تعالى في عباده الصالحين، وفي كل جيل يختار ربنا أفضل الأمم لتقود البشرية في وقتها، كما فضلّ بني إسرائيل في وقتهم، وقال: {وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} (الدخان:32)
وكذلك فإنه -سبحانه وتعالى- اختار الإسلام ديناً لجميع الناس .
واختار المدينة دار هجرةٍ لنبيه -عليه الصلاة والسلام-.
واختار هؤلاء الأصحاب خير حواريين في الناس أو في البشر، ليكون أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- وقال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}(آل عمران: من الآية110).
واختار من جملة الصحابة: العشرة المبشرين. واختار منهم الشيخين : أبا بكر وعمر، وزيرين لنبيه -عليه الصلاة والسلام-.
واختار لأنبيائه مهنة رعي الغنم دون غيرها من بهيمة الأنعام، ((مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ)) البخاري.
واختار المسجد الحرام ليكون قبلةً لهذه الأمة : {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ }(البقرة: من الآية144).
قال ابن القيم رحمه الله : إن الله سبحانه وتعالى اختار من كلِّ جنسٍ من أجناس المخلوقات أطيبَه، واختصَّه لنفسه، وارتضاه دون غيره، فإنه تعالى طيبٌ لا يحبُّ إلا كل طيب، ولا يقبل من العمل والكلام والصدقة إلا الطيب، فالطيبُ من كل شيء هو مختَاره تعالى. زاد المعاد (1 / 65)
حسن اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم
فقد حفلت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم بكثير من الشواهد الاختيار في غزواته، وجهاده، ودعوته، وهجرته.
فقد اختار أبا بكر ليكون صاحباً له في الهجرة.
واختار مصعباً ليكون سفيراً له إلى المدينة.
واختار علياً ليكون له داعية في اليمن، وحاملاً للواء المعركة في خيبر .
واختار معاذاً ليكون معلماً أيضاً ومفتياً لطائفة من اليمن .
واختار أبا بكر ليصلي بالناس في مرض موته دليلاً وإشارة إلى خلافته من بعده.
واختار حذيفة بن اليمان ليكون صاحب سره في المنافقين وغير ذلك، فكان يقال له: ( صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ ). رواه البخاري .
واختار بلالاً رضي الله عنه مؤذناً له. كما اختار ابن أم مكتوم وأبا محذورة بعد ذلك .
واختار رسول الله صلى الله عليه وسلم الحبشة مهاجَراً أولَ لأصحابه, لأن فيها ملكاً لا يُظلم عنده أحد.
واختار الأيسر من الأمور في كل شأنه ما لم يكن إثما، كما قالت أم المؤمنين رضي الله عنها (مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا, فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ) رواه البخاري, ومسلم .
الاختيار قدر، الاختيار موجود في هذه الدار، الاختيار له في الشريعة نظر وأحكام وآداب وسياسة، فالمسلم يختار من كل شيء أحسنه وأجوده.
قال ابن القيم رحمه الله : فإنَّ الطيبَ لا يناسبه إلا الطيب، ولا يرضى إلا به، ولا يسكن إلا إليه، ولا يطمئن قلبه إلا به ….وكذلك لا يألفُ من الأعمال إلا أطيبَها… ومن الأخلاق أطيبَها وأزكاها.. وكذلك لا يختار من المطاعم إلا أطيبها – وأحلها -، وهو الحلالُ الهنيء المريء الذي يُغذي البدن والروح أحسن تغذية.
وكذلك لا يختار من المناكح إلا أطيبها وأزكاها .
ومن الرائحة إلا أطيبها وأزكاها .
ومن الأصحاب والعشراء إلا الطيبين.
فروحه طيب، وبدنه طيب، وخُلُقه طيب، وعملُه طيب، وكلامه طيب، ومطعمه طيب، ومشربه طيب، وملبسه طيب، ومنكحه طيب، ومدخله طيب، ومخرجه طيب، ومنقلبه طيب، ومثواه كله طيب، فهذا ممن قال الله تعالى فيه : {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ} (النحل:32) .
ومن الذين تقول لهم: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ}(الزمر: من الآية73) . زاد المعاد (1/65)
البحث عن الخيار الأصلح
فالعاقل يبحث دائماً عن الخيار الأصلح، الأطيب، الأحسن، الأفضل، والأنسب، وهذه من الابتلاء في حياة المسلم، {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}(الملك: من الآية2) ، وأحسن اختياراً من بين الأمور، هذا الاختيار تتوقف عليه أشياء، هذا الاختيار يتحدد به مصير، {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} (البلد:10) . يختار طريق الخير أو طريق الشر، القدرة على الاختيار جزء من الامتحان الإلهي للبشر، حياة الإنسان هي اختياراته، حتى في أموره الدنيوية في زواج في مسكن في دراسة في تخصص في تجارة في سلعة، يختار في سيارة، في ملبوس، في مدينة يسكنها، اختيار المرء قطعة من عقله، ومعيار على نقصه أو فضله، حسن الاختيار يمنع أضراراً عظيمة، حسن الاختيار في الخدم يمنع السحر والفاحشة، حسن الاختيار في الموظفين يمنع الاختلاس، حسن الاختيار في العمال يحمي الأموال والأعراض، حسن الاختيار في الزوجة يجلب صالح الأولاد، حسن الاختيار في الصديق يحمي من الانحراف، حسن الاختيار للمعلم يورث المسلك الطيب والعقيدة الصحيحة والعلم النافع، والعاقل يراعي الانتقاء وحسن الاختيار المبني على حسن الدين والخلق والأمانة والحاجة والإمكان ولا يتكلف، بالاختيار الحسن تتحقق المصالح العامة والخاصة، حتى هؤلاء إذا اختيروا من الموظفين في الأماكن المختلفة كانوا صلاحاً وكانوا خيراً للناس، وإذا كان الاختيار بالعكس كانوا بلاءً على الأمة وتضييقاً .
حسن الاختيار وفوائده
بحسن الاختيار تتجنب المشكلات، سواء كانت أسرية اجتماعية وظيفية مالية .
قال الحسن البصري عن أثر حسن اختيار الزوجة في مسلك الإنسان حتى في سياسته في البيع والشراء لو كان بائعاً : وقفت على بزَّاز بمكة أشتري منه ثوباً – بائع قماش -، فجعل يمدح ويحلف، فتركته، وقلت لا ينبغي الشراء من مثله، واشتريت من غيره.
ثم حججت بعد ذلك بسنتين، فوقفت عليه فلم أسمعه يمدح ولا يحلف، فقلت له: ألست الرجل الذي وقفت عليه منذ سنوات؟
قال: نعم.
قلت له: وأي شيء أخرجك إلى ما أرى، ما أراك تمدح ولا تحلف؟
فقال: كانت لي امرأة إن جئتها بقليل نزَرَته [احتقرَته واستَقَلَّته]، وإن جئتها بكثير قللته، فنظر الله إلي فأماتها.
فتزوجت امرأة بعدها، فإذا أردت الغدو إلى السوق أخذت بمجامع ثيابي ثم قالت: يا فلان اتق الله ولا تطعمنا إلا طيبًا؛ إن جئتنا بقليل كثرناه، وإن لم تأتنا بشيء أعناك بمغزلنا.
الاختيار نتائجه طيبة، إذا كان حسناً، فإذا وفق الإنسان في اختيار الإدارة والموظفين والعمال والنظام، إذا اختار الإنسان مكاناً مناسباً؛ مسكناً بجانب مسجد، معلماً لأولاده جيداً، محفظاً مؤدباً مدرساً، يختار المدرسة والفصل إذا أمكن، ويختار من سيجلس بجانب ولده .
الاختيار حسنه يكسب الإنسان خبرةً وينفعه، على أي أساس أختار ؟ كيف تم الاختيار؟ كيف اختار مستقبلاً، ماذا تعلمت من هذا الاختيار، الاختيار حسنه يختصر الوقت والجهد والمال، للتنقل بين الخيارات، وكم من الطلاب أضاعوا أوقاتهم في تخصصات لم تكن مناسبة لهم لأن الاختيار لم يكن صائباً ولا مبنياً على أسسٍ سليمة .
الاختيار حسنه يُرزق به الإنسان انشراح الصدر، حصول الأنس، كحسن اختيار الزوجة .
..قال الإمام أحمد رحمه الله : أقامت معي زوجتي أم صالح ثلاثين سنة فما اختلفت أنا وهي في كلمة.
هذا الاختيار حسنه يحصل به الإنسان المطلوب وحسن الخاتمة ويأمن سوء العاقبة .
اختار أبو بكر عمرَ رضي الله عنهما لخلافته على الأمة، فكان اختياراً عظيماً ما أعظم بركته.
واختار سليمان بن عبد الملك بمشورة رجاء ابن حيوة عمر بن عبد العزيز ليلي الأمر من بعده فكان اختياراً موفقاً لم يحدث بعده مثله.
نتائج سوء الاختيار
إذا لم يكن الاختيار حسناً، سيورث التحسر وخيبة الأمل وتأنيب النفس، ويقع الإنسان في اللوم ويستولي عليه القلق وتشويش التفكير، ربما يختار مكاناً رخيصاً فيندم، أو ملبوساً رخيصاً فيتلف، يضطرب عمله بسوء الاختيار، أُقفلت مؤسسات بسبب سوء الاختيار للإدارة والموظفين والعمال، الاختيارات السيئة تقود إلى نتائج سيئة، اختيار القرناء إذا كان سيئاً فإن هؤلاء الأشرار سيردونه المهالك، سوء اختيار كتاب يمكن يزعزع عقيدة الإنسان، سوء اختيار الموقع الإلكتروني الذي يعتمد عليه في التلقي قد يورده المهالك، سوء الاختيار يضيع الأوقات، سوء الاختيار يبدد الطاقات، سوء الاختيار يؤدي إلى وقوع الفوضى وخسارة الأموال، سوء اختيار ورشة يكلفك في إصلاح سيارتك مبالغ طائلة، سوء اختيار طبيب قد يكلفك في صحتك كثيراً .
قواعد وضوابط الاختيار
ما هي القواعد والضوابط في الاختيار ؟ كيف نختار ؟ بناءً على ماذا ؟ هل الاختيار على التشهي، على الأسهل الأريح الأمتع أم الأنفع ؟ ما هي القواعد والضوابط في الاختيار.
أولاً: التقوى مهمة جداً في حسن الاختيار، لأنه أساس التوفيق وسبب لسداد الرأي، {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}(البقرة: من الآية282) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً}(الأنفال: من الآية29) . فتفرق به بين اختيار الحسن والاختيار السيء .
الاستخارة
ثانيا : اللجوء إلى الله والإلحاح عليه بالدعاء، فإن الدعاء مفتاح الخير، وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في سنن الترمذي أنه كان إذا أراد أمراً قال : ((اللَّهُمَّ خِرْ لِي, وَاخْتَرْ لِي)) وفيه ضعف. ويغني عن ذلك دعاء الاستخارة، هذا الدعاء الحسن الجميل الطيب وهذه الصلاة العظيمة وهذه العبادة الجميلة الجليلة، يمكن أن يترتب عليها من السعادة ويترتب عليها من التوفيق ويترتب عليها من المكاسب العظيمة للإنسان، ما لم يكن بالبال
إِذا لَم يَكُن عَونٌ مِنَ اللَهِ للِفَتى فَأَولُ ما يَجني عَلَيهِ اِجتِهادُهُ
فليست قضية العمل من الإنسان هي كل شيء إذا ما كان معه توفيق من الله ولذلك كانت الاستخارة وهي طلب خير الأمرين، لمن احتاج إلى أحدهما، وهذه تكون إذا أراد العبد الأمر وهمّ به والمؤمن إذا اشتبه عليه شيء أيهما الأصلح في زواج، في سفر، في تخصص؛ بعثة، صلاة الاستخارة استمداد التوفيق من الله، براءة من الحول البشري والقوة الذاتية، وركون إلى حول الله وقوته، الاستخارة طلب البصيرة من الله أن يقذفها في قلبك لتحسن الاختيار، وتختار وتمضي على الشيء الطيب، هذه سنة وخصوصاً إذا لم يتبين لك الأمر، وقد اتفقت مذاهب العلماء على أن الاستخارة تكون في الأمور التي لا يدري العبد وجه الصواب فيها، أما ما هو معروف الخير فيه والشر فليس مجالاً للاستخارة، فلا يستخير الإنسان أن يصلي، ولا يستخير أن يصوم رمضان، ولا يستخير أن يبر والديه، ولا يستخير أن يطلب العلم، لكن ممكن يستخير في الحملة التي يحج فيها، والرفقة الذين يصحبهم، والشيخ الذي يقرأ عليه، الاستخارة إذا تعارض أمران أيهما يبدأ به، أو يقتصر عليه.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَلْحَدُ وَآخَرُ يَضْرَحُ، فَقَالُوا نَسْتَخِيرُ رَبَّنَا وَنَبْعَثُ إِلَيْهِمَا، فَأَيُّهُمَا سُبِقَ تَرَكْنَاهُ، فَأُرْسِلَ إِلَيْهِمَا فَسَبَقَ صَاحِبُ اللَّحْدِ، فَلَحَدُوا لِلنَّبِيِّ”-صلى الله عليه وسلم- . رواه ابن ماجه وأحمد وإسناده صحيح.
اللَّحْد خَيْر مِنْ الشَّق وهو الَّذِي اِخْتَارَهُ اللَّه لِنَبِيِّهِ .
“من أُعطي أربعاً لم يُمنع أربعاً: من أُعطي الشكر لم يُمنع المزيد، ومن أُعطي التوبة لم يُمنع القَبول، ومن أُعطي الاستخارة لم يُمنع الخِيرَة، ومن أُعطي المشورة لم يُمنع الصواب” . المجالسة وجواهر العلم (1/129) .
إذاً تدبير الله خير لك من تدبيرك لنفسك، والله أرحم بك من نفسك وأنصح لك من نفسك، فاختيار الله لك أحسن من اختيارك لنفسك، ولعلك تختار شيئاً وليس خيراً لك، ولذلك لا يندم الإنسان إذا استخار في شيءٍ فلم يوفق له، وقد يتقدم خاطب لفتاةٍ فتستخير في شأنه فيُصرف عنها وهذا الخير لها، فإذا كانت مؤمنة لا ينكسر قلبها ولا تحزن، فهي توقن وتعلم بأن ما عند الله خير لها، فلا تستلم لخواطر الشيطان ولا تركبها الهموم والغموم، {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ}(آل عمران: من الآية198).
إذاً الاستخارة فيها لجوء إلى الله وتعلق القلب به، وفيها أجر عظيم، وكذلك الرضا بما قسم الله -عز وجل- وراحة للإنسان ودليل على ثقته بربه ومخرج من الحيرة والشّكّ، ومدعاة للطّمأنينة وراحة البال.
الاستشارة
ثالثاً : الاستشارة، فما خاب من استخار، ولا ندم من استشار .
ولو استغنى أحد عن المشورة لاستغنى عنها النبي صلى الله عليه وسلم.
ومع ذلك وهو أسدّ الأمة رأياً وأعقلها وأحكمها، حتى أنه -عليه الصلاة والسلام- اتخذ أبا بكر وعمر كالوزيرين له، شاورهما في أسرى بدر وفي وفد بني تميم من يولي عليهم، شاورهما في الأمور العامة والخاصة، وكان يشاور أبا بكر في حروبه، وشاور أسامة بن زيد في قصة الإفك وعلياً، وشاور كذلك أصحابه في نزول المنازل في المعارك، وفي حديث أبي هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قال: (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مُشَاوَرَةً لأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم). وقد ورد عند البيهقي وفيه انقطاع .
الرأيُ كالليل مسودٌ جوانبه والليل لا ينجلي إلا بمصباح
فأضمم مصابيح آراء الرجال إلى مصباح رأيك تزدد ضوء مصباحِ
فإن ملاقحة العقول، والاستفادة من آراء الرجال، مفيدة في حسن الاختيار، فمن تستشير؟ صاحب التجربة صاحب الحكمة صاحب الخبرة، صاحب الدين الذي ينصحك ولا يغشك، الذي يعلم ظروفك وما هو الأنسب لك، إذاً إنما يُحسن الاختيار لغيره من أحسن الاختيار لنفسه، والمستشار مؤتمن، ولذلك فإن المشورة تساعد في اكتشاف الصواب، ومعرفة الأحسن، أيهما قبل الاستشارة أو الاستخارة؟ .
قَالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله : “يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَشِيرَ قَبْلَ الاسْتِخَارَةِ مَنْ يَعْلَمُ مِنْ حَالِهِ النَّصِيحَةَ وَالشَّفَقَةَ وَالْخِبْرَةَ, وَيَثِقُ بِدِينِهِ وَمَعْرِفَتِهِ … وَإِذَا اسْتَشَارَ وَظَهَرَ أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ, اسْتَخَارَ اللَّهَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ “.
رابعاً : الاستفادة من تجارب الآخرين في الخيارات، والسؤال عمن سلك الدرب قبلك، سواء كان في تخصص أو في علم معين تطلبه.
وخامساً: جمع المعلومات قبل الاختيار، لأن الاختيارات تُبنى على العلم لا على العواطف والتخمينات، وجمع المعلومات خطوة مهمة، وينبغي أن لا تطول جداً لتفوت الفرصة، وإنما ينبغي أن يكون الاختيار بناءً على بينة.
بعض الصوفية يختار دائماً ما رآه شيخه حتى لو كان الذي يراه خطأً، من باب تقديس الأشخاص، وبعضهم ربما يطلب من صاحب القبر أن يختار له!!
الاختيار ليست عملية شركية ولا عشوائية، وكذلك فالاختيار يحتاج إلى تحسس أحياناً بالسمع والأذن والعين البصر والعقل والقلب، هذه مجالات التحسس، استطلاع استبيان، أحياناً تحتاج إلى عمل دراسة كاملة وإحصاء قبل أن تختار، وإذا أردت أن تسأل في مسألة علمية فقهية، فلا بد أن تختار المفتي صاحب الدين، الورع، العلم الخوف من الله، الخشية الفقه، ثم كذلك تعمد سادساً إلى السبر والتقسيم، بعد حصر الاختيارات والنظر في كل واحد منها، وما هي المصالح في هذا والمفاسد، فترجح بناءً على ذلك وتقوم سابعاً باتخاذ القرار .
في غمرة الجهل والهوى، يختار الناس أشياء ليست هي الأصلح لهم، وقد يخفى الاختيار الأفضل حتى على الأكابر .
كَانَ جُرَيْجٌ يَتَعَبَّدُ فِي صَوْمَعَةٍ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ إِلَيْهِ تَدْعُوهُ، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ أَنَا أُمُّكَ كَلِّمْنِي، فَصَادَفَتْهُ يُصَلِّي.
فَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ.
فَرَجَعَتْ ثُمَّ عَادَتْ فِي الثَّانِيَةِ، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ أَنَا أُمُّكَ فَكَلِّمْنِي.
قَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ.
فَقَالَتْ اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا جُرَيْجٌ وَهُوَ ابْنِي وَإِنِّي كَلَّمْتُهُ فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي اللَّهُمَّ فَلَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ … رواه البخاري (2482) ومسلم (2550).
فتعرض لابتلاء عظيم ومحنة وبلية وكان عليه أن يجيب أمه ويقطع صلاة النافلة، لأن إجابة الأم واجبة وصلاة النافلة مستحبة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم دائما يختار الأفضل لأمته:
ولما أسري به عرض عليه إناءان في أحدهما لبن وفي الآخر خمر، فَقَالَ: (( اشْرَبْ أَيَّهُمَا شِئْتَ, فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ, فَقِيلَ: أَخَذْتَ الْفِطْرَةَ, أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ)) رواه البخاري (3394).
حتى عند موته النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لأصحابه : ((إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ)) .
فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال أبو سعيد : فقلت فِي نَفْسِه مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ، إِنْ يَكُنْ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ.
فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْعَبْد، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا.
قَالَ: ((يَا أَبَا بَكْرٍ لَا تَبْكِ، إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ)). البخاري (466).
قد يختار الإنسان شيئاً ليس من مصلحته، ويتجنب الأصلح، {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}(البقرة: من الآية216).
وهذا عام في جميع الأمور، قد يمسك الإنسان زوجته وهو كاره لها، ويكون في ذلك خير، {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً}(النساء: من الآية19).
قال ابن عباس في الآية: “هو أن يَعْطف عليها – مثلاً ما يعجبه شكلها، لكنها صاحبة دين فيصبر عليها-، فيرزقَ منها ولدًا. ويكون في ذلك الولد خير كثير”. ابن كثير (2/243)
الإنسان أحياناً يختار ما هو شاق عليه لأجل مصلحة أعلى، قد يختار الطالب تخصصاً أصعب لأن الأمة أحوج إليه، قد يختار الإنسان طعام ليس هو الأشهى لأنه أنفع له، صحي أكثر، قد يختار الخاطب أقل جمالاً لأنه عندها في الدين والخلق مزية غير موجودة في الجميلة .
اختار أحمد بن حنبل عوراء على “أختها” الصحيحة الجميلة، فسأل مَن أعقلهما ؟ فقيل: العوراء، قال: زوجوني إياها.
فرزقه الله تعالى منها بأئمة: [عبدالله وصالح].
انظر مسائل الإمام أحمد لعبد الله، مسائل الإمام أحمد لابنه صالح.
أحياناً الإنسان يحب شيئاً لكن يتركه لأجل طاعة عالم، ويجعل الله في ذلك خيراً كثيراً
قال المحدث الفقيه الحافظ محمد بن أحمد بن أبي الرجال البعلبكي لما عزم على الرحلة إلى حرَّان، قال: وكان قد بلغني أن بها رجلاً يعرف علم الفرائض جيداً.
فلما كانت الليلة التي أريد في صبيحتها أن أسافر: جاءتني رسالة الشيخ -شيخه- عبد الله اليُونيني. يعزم عليَّ فيها الرحيل إلى القدس الشريف.
فكأني كرهت ذلك، وفتحت المصحف، فطلع قوله تعالى: {اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (يّـس:21) – أطاع شيخه صاحب الفضل الدين والعلم – قال: فخرجت معه إلى القدس.
فوجدت ذلك الحراني بالقدس، فأخذت عنه علم الفرائض، حتى خُيل إليّ أني قد صرت أبرع منه فيه. ذيل طبقات الحنابلة (1/291-293) لابن رجب .
لا مجال للحرام في الاختيارات
من قواعد الاختيار أنه لا مجال لجعل الحرام من الاختيارات، فيتخير الإنسان بين المباحات، يتخير في المستحبات، لكن لا يمكن أن يختار بين الصدق والكذب،ولا يكون الكذب عنده خياراً ممكناً، وقد قال كعب : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَنْجَانِي بِالصِّدْقِ وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا مَا بَقِيتُ.. رواه مسلم (2769) والبخاري.
إذا أردت أن تودع مالاً لك هناك مصرف ربا وآخر لا يتعامل بالربا، أن لا تعرض الأمر على أن المصرف الربوي هذا اختيار، هذا ليس اختياراً أصلاً، هذا ساقط من الاختيارات، ممكن تختار من المصارف الغير الربوية، فيها خيارات، اقطع الأمل عن الحرام، الحرام ليس طريقاً .
حدثني ابن الشيخ عبد الرحمن السعدي البارحة، قال : كان والدي عبد الرحمن السعدي يتكلم في المجلس عن نظر الخاطب إلى المخطوبة، وقال : يستحب له النظر إليها، فكان في المجلس الشيخ علي الزامل من أكبر النحويين في نجد، ومات أيضاً رحمه الله، فقال للشيخ عبد الرحمن مداعباً له : وأنا يا شيخ ضرير ممكن أجسها، قال : أقطع، هذا ليس من الخيارات.
الضرير طيب ماذا يفعل ؟ تُوصف له.
المرأة لا تختار؛ هل تجعل العباءة المخصرة أو الشفافة والمزركشة هذه من خيارات اللباس، لا تجعل أسهم الشركات ذات الأنشطة المحرمة من الخيارات في التجارة، لا تجعل الذهاب إلى الكاهن والعراف والساحر خياراً في التداوي، لا يمكن أن تأخذ أسماء كفار من ضمن الخيارات أو القرعة التي تجريها لاختيار اسم لولدك، لا يمكن أن تسلك أو تفكر في وظيفة أو عمل؛ مغني أو بائع محرمات لتجعلها خيارات في الوظائف التي عندك، ولا يمكن أن ترضى بميتة أو خنزير أو نحو ذلك من المطعومات المحرمة كخيارات في الموضوع، ولا يمكن أن تجعل النرد والمعازف من وسائل الترفية كخيار من الخيارات، كما أنك لا تجعل قنوات المحرمة خيارات في الوقوف عندها، تقف على هذا أو هذه، إن هذا لا يمكن أن يكون وسيلة للاختيار الشرعي. لا يمكن أن تسلك الفتاة في اختيار الزوج علاقات متعددة مع شباب لتختار واحداً منهم، لأن الطريقة غير شرعية وحرام. {وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ }(النساء: من الآية25) .
والذي يريد أن يعلم أولاده لا يمكن أن يختار مدارس يُدرّس فيها الشرك أو الكفر أو الإلحاد أو فيها الاختلاط المحرم، ولا أن تكون خياراً من بين الخيارات في اختيار المدرسة لأولاده .
تقديم حفظ الدين على غيره عند الاختيار
تاسعاً : تقديم حفظ الدين على غيره عند الاختيار، فإذا تعارض عندك أمران في أحدهما مصلحة للدين وفي الأخرى مصلحة شخصية تقدم مصلحة الدين، وهذا الذي أخفق فيه كثيرون اليوم في اختيار الذهاب في بعثات ما فيها عند التحقيق إلا مصالح دنيوية، وأحياناً ما فيها إلا أنه يتفسح ببلاش، لو قلت له عندك علم تدفع به الشبهات؟ يقول حقيقة لا، عندك عقل تدفع به الشهوات؟ حقيقة لا، تذهب إلى بلاد الكفار بلد انحلال، يريد يذهب أوكرانيا، متزوج ؟ لا، هل ذاهب لمصلحة للمسلمين، تريد أن تؤم المركز الإسلامي ؟ تكون داعية هناك، عندك علم أو تصبح قاضياً بينهم مثلاً، مفتياً داعية، هيهات أنا أحتاج دعوة .
إذاً كيف يذهب من عمره تسع عشرة سنة إلى أوروبا الشرقية، ماذا تتخيل أن يحصل له، وسوف تسمعون عن طوام عظيمة في هذا الموضوع .
تقديم صاحبة الدين والخلق على صاحبة الجمال في الزواج كما قلنا، تقديم الوظيفة الحلال الأقل راتب على الوظيفة المحرمة الأكثر راتب، مصلحة الدين أولاً.
عاشراً : النظرة المستقبلية عند الاختيار، النظر في المآلات وعواقب الأمور، هذا يساعد في اختيار الأمثل. والنبي -عليه الصلاة والسلام- يراعي هذا : ((أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوْا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟))
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟
قَالَ: ((لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ َ)). البخاري(1480)، ومسلم (2368).
لولا خشية أن ينفروا عن الإسلام لهدمتها، وجعلتها على أساس الخليل وزدت فيها سبعة أذرع من جهة الحجر وأكملت البنيان، وجعلت الباب نازل على الأرض، ولها باب من الجهة الأخرى بحيث يكون لهم باب منه يدخلون وباب منه يخرجون .
الحادي عشر : التروي والأناة قبل الاختيار، والنبي -عليه الصلاة والسلام- لما أراد أن يخير عائشة لما نزلت آية التخيير : {إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً *وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ } (الأحزاب: 28-29) . تبقين معه على ضيق ذات اليد، على الميسور عنده، إذا أردتن الدنيا أعطيكن وأسرحكن، لا تبقين عنده، فقال -عليه الصلاة والسلام- لعائشة : ((إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَسْتَعْجِلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ)).
وأمرها بالتريُّث والتأنِّي.
ولكن ليس التأني المفوت للفرصة ولا التأني الذي يؤدي إلى أن تنحل العزيمة وتذهب الهمة وتفتر وتضعف، أحياناً يكون مجال الاختيار ضيقاً، بالكاد تقرأ دعاء الاستخارة، لا تتأخر في اختيار المناسب.
الثاني عشر: إذا اخترت فاعزم، قال الله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}(آل عمران: من الآية159).
هذا العزم مهم
إذا كنتَ ذا رأيْ فكُنْ ذا عَزِيمَةٍ *** فإنَّ فَسادَ الرَّأْيِ أنْ تَتَردَّدا
وإن كنت ذا عزم فأنفذه عاجلاً *** فإن فساد العزم أن يتقيدا
وإذا أخذت بالأسباب وعزمت فلا تلتفت إلى مثبط ولا مخالف، استشار النبيُّ صلى الله عليه وسلم الناس أيخرج إليهم– لملاقة كفار مكة في أُحد أم يبقى فيها – أم يمكث بالمدينة؟ فأشار عبد الله بن أُبيّ بالمقام بالمدينة، وأشار آخرون من الصحابة ممن لم يشهد بدراً بالخروج إليهم،- ولما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- كثرة الذين يريدون الخروج، والشباب هؤلاء الذين تحمسوا للقاء – فلبس لأمَتَه وخرج عليهم، وقد نَدم بعضهم وقالوا: لعلنا استكرَهْنَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، إن شئت أن نمكث؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لأمَتَه أنْ يَرْجِعَ حَتى يَحْكُمَ اللهُ لَه)). تفسير ابن كثير (2 : 109). والحديث رواه أحمد وصححه الألباني.
القائد إذا اختار وأعلن القرار ما فيه رجوع، لأنه يفت في عزيمة الناس، ولم تكن هزيمة غزوة أُحد نتيجة لخروج من المدينة، كانت نتيجة لترك الرماة مواقعهم، كانت نتيجة { حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ } (152) سورة آل عمران، هذه أسباب الهزيمة.
الثالث عشر : إذا تعارض عندك الأنفع والأمتع اختار الأنفع بلا شك، في تخصص في وظيفة في استثمار في قراءة كتاب في تصميم بيت، اختر الأنفع، حتى السلع .
الرابع عشر : اجمع بين مصلحتي الدنيا والآخرة ما أمكن، وإذا نظرنا إلى دعاء الاستخارة : ((اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ)).
وعاجل الأمر : الدنيا وآجل الأمر : الآخرة .
إذاً الجمع بينهما : {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً}(البقرة: من الآية201).
الخامس عشر : إذا دار الأمر بين الأرخص والأجود وكان الأرخص أسوء، يعني لا يدوم ويتلف بسرعة، ربما يكلفك عناء التصليح والبحث عن البديل، أشياء كنت ستتلافها ولو دفعت زيادةً قليلة.
السادس عشر : عند تزاحم الأضرار أختر أخف الضررين وأقل المفسدتين، كما أنك أردت عند الاختيار بين الأمور الجيدة خير الخيرين وأعلى المصلحتين، لماذا ترك النبي -عليه الصلاة والسلام- قتل المنافقين ؟ حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، مع أنهم يستحقون القتل.
إذاً ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر فقط، العاقل الذي يعرف خير الخيرين وشر الشرين.
السابع عشر : ابحث عن الحلول ولو كانت غير معتادة فقد يكون فيها النفع الكبير، هم يسمونها أحياناً التفكير خارج الصندوق، وما المانع ؟ ممكن تُجلب فكرة جديدة، فكرة حفر الخندق كانت فكرة جديدة على العرب، فوجئ بها قريش وغطفان ومشركو العرب، قد تكون الفكرة يؤتى بها من الخارج لكنها نافعة جداً، ((الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها)) .
الثامن عشر : أن تجعل لك خيارات مدروسة، بحيث إذا فشل الأول تأخذ الثاني إذا فشل الثاني تأخذ الثالث، تعذّر الثالث تأخذ الرابع، وهكذا يكون عندك اختيارات تنتقل إليها، كما أن النبي -عليه الصلاة والسلام- عيّن قادة في مؤتة، زيد بن حارثة ((إن قتل زيد فجعفر، إن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة)) .
التاسع عشر : اختيار المفضول خير من العدم، أحياناً يكون عندك سبب ضعيف أو لا شيء، فماذا تختار ؟ السبب الضعيف أو لا شيء ؟ السبب الضعيف، ويبارك الله فيه إذا أنت اخترته وهذا هو الممكن المتاح {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ}(مريم: من الآية25).
الاخذ بالسبب المتاح الوحيد ولو كان ضعيفاً .
العشرون : الاختيار يكون على حسب الإمكانات، لأن بعض الناس لما يفكر في الاختيارات، يذهب إلى خيارات يضيع فيها وقته وغير متاحة أصلاً، فتضيع أوقات في قضية دراستها وتقييمها، وهي غير ممكنة، يعني واحد مجموعه 60% يفكر في الطب أو الهندسة، مجموعك 60% تختار الطب على ماذا .
الحادي والعشرون : الاختيار ينبغي أن يكون مبنياً على المصلحة وليس على التشهي، والمصلحة هذه يراعي فيها المصلحة العامة وليست فقط المصلحة الخاصة، والمصلحة لمن ؟ يعني مثلاً ولي الأيتام سيختار الأصلح لهم وليس الأصلح له، ولي المرأة سيختار الأصلح لها وليس الأصلح له، وقد يحصل مغانم من قضية تزويج البنت لغني تاجر وزير كبير، لكن ينظر هل هذا الأصلح لها أم لا، فإذا كان الأصلح لها مضى عليه، وإذا كان الأصلح لها غيره انتقل إليه .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: “من خُيِّر بين شيئين ويتصرف لغيره وجب عليه فعل الأصلح – لاحظ الوكيل هو الذي يتصرف لغيره وضعه يختلف -، وإن كان لنفسه فله أن يعدل إلى الأسهل سواء كان أصلح أو غير أصلح”. الشرح الممتع.
فإذاً لا بد من محاربة التشهي عند الاختيار للغير، لأنك أحياناً ما تختار لنفسك، يا ولي المرأة أنت تختار نعم، لكن أنت تختار لها ومن أجلها، وعاقبة الهوى وخيمة.
محاذير في قضايا الاختيار
هل هناك محاذير في قضايا الاختيار، نعم، منها:
1- دع المجاملات جانباً، ماذا سيقول الناس وكلام الناس، اختر الأصلح والذي يوافق الشرع ولا تبالي بكلام الناس .
2 – احذر التردد والتراجع كما تقدم، لأن هذه آفة، أتزوجها، لا أتزوجها راحت البنت، اشتري السيارة ما اشتريها اشتراها غيره، آخذ الوظيفة هذه ما آخذها راحت الوظيفة . وهكذا لا بد من الحزم .
3 – لا تذع الأمر وتكشف السر الذي يضرك كشفه، فبعض الناس ربما يشيع في أمرٍ، أحياناً في مبادئ الزواج في الخطبة، بعض الأمور تحتاج إلى شيء من الإسرار، إذا نجحت أُعلنت، إذا أعلنت قبل أن تنجح ربما يكون سبباً من أسباب الفشل وكيد الحساد وسعي المغرضين، ودخول المنافسين و نحو ذلك .
4- احذر من التقليد و محاكاة الغير عند الاختيار، لأن ما يناسبك قد لا يكون هو اختيار الغير . وما يختاره الغير قد لا يناسبك. فبعض الناس عندهم الاتجاه القطيعي، لا زلت الآن المسألة محيرة، قضية مكائن سنجر شيء عجيب في سرعة تقبل المجتمع للإشاعات، وشيء عجيب في قضية تقليد الغير في اتخاذ القرار، وشيء عجيب في رفع الأسعار، واحد عنده سيارة ليس عنده غيرها، ذهب و أبدلها بمكينة سنجر، واحد مجمّع فلوس يريد يتزوج، قال له الزئبق الأحمر ألحق الزئبق الأحمر قبل لا يصير أخضر، واشترى راحت الفلوس، الأمر مبني على ماذا ؟ إشاعة، هل أخذت من خبراء كيمياء يا أخي في المجتمع وفي الجامعات وفي كليات العلوم أناس تفهم في الكيمياء أسألوا، الزئبق الأحمر ما هو الزئبق الأحمر، وماهي فائدته، ومن الذي سيشتريه، ولو اشترينا المكائن سنبيعها على من ؟ تتعجب وأنت ترى صور الناس، يتقاطرون زرفات ووحداناً، هي سعرها مائتان، الآن ألفان، ثم عشرة آلاف ثم مائة ألف، ثم مائتا ألف، يعني أشياء عجب، أين العقول، كيف يتخذ الناس القرارات،ما هذا الذي يحدث؟ أناس رزقوا بذهاب عقول الآخرين ، قضية عدم اتخاذ القرار بناءً على سياسة القطيع مهمة جداً، فيه أناس نكبوا في الأسهم بناء على سياسة القطيع، فيه أناس نكبوا في أراضي بناء على سياسة القطيع، وقضية تقليد الآخرين لبعضهم البعض، الناس كأسراب القطى يتبع بعضهم بعضا.
انظر الصحابة، قال ابن حوالة : يا رسول الله، – لما سمع الحديث : ((سَيَصِيرُ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ تَكُونُوا جُنُودًا مُجَنَّدَةً، جُنْدٌ بِالشَّامِ، وَجُنْدٌ بِالْيَمَنِ، وَجُنْدٌ بِالْعِرَاقِ)). -
قَالَ ابْنُ حَوَالَةَ: خِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ.
فَقَالَ: ((عَلَيْكَ بِالشَّامِ، فَإِنَّهَا خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ، يَجْتَبِي إِلَيْهَا خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَأَمَّا إِنْ أَبَيْتُمْ [أَيْ اِمْتَنَعْتُمْ مِنْ اِلْتِزَام الشَّام] فَعَلَيْكُمْ بِيَمَنِكُمْ…. – ثم ذكر- فإن الله تكفل لي بالشام وأهله )). أبو داود (2483) وصححه الألباني.
الشاهد منه ما هو ؟ أن الصحابي قال خر لي يا رسول الله ؟ الاختيار بناءً على نصيحة صاحب العلم، قد نخطئ في الاختيار فماذا نفعل إذا ظهر الخطأ ؟ لا نكابر ونستمر، نتراجع فوراً، لأن تكون ذنباً في الحق خير من أن تكون رأساً في الباطل، التصحيح الفوري قدر الإمكان، عدم الاعتراض على القدر والتسخط بما حصل نتيجة سوء الاختيار، وما تدري أين الخير لك، قال ابن مسعود: “إن العبد ليهمّ بالأمر من التجارة والإمارة حتى يُيسر له، فينظر الله إليه من فوق سبع سموات فيقول للملائكة: اصرفوه عنه، فإني إن يسرته له أدخلتُه النار، فيصرفه الله عز وجل عنه، فيظلّ يتطيّر يقول: سبقني فلان، دهاني فلان، وما هو إلا فضل الله عز وجل عليه”. رواه الالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (3 /261).
يقول راحت علي، أخذها فلان، يتحسر، والصحيح له فوات هذا، فالأنفع للعبد أن لا يقترح على ربه، ولا يختار عليه ولا يسأله ما ليس له به علم، فلعل فيه مضرة وهلاك له، وهو لا يعلم، بل يسأله حسن الاختيار له كما في الاستخارة، وإذا فوض إلى ربه ورضي بما يختاره له، فإنه لا يندم بعد ذلك ولا يحبط، ارتحت من الأفكار المتعبة والحسابات الصعبة، من رضي باختيار الله له أصابه القدر وهو شاكر، وإذا فقد المسلم شيئاً فلا يتألم، (( ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطئك لم يكن ليصبيك )) .
ومعرفة الربوبية والألوهية والأسماء والصفات تزرع في قلب العبد الاطمئنان والرضا وحسن الظن بالله يجعله في سلامةٍ من التسخط والألم، قال ابن رجب: ” وقد رُوي أنَّ سعدَ بن أبي وقاص كان يدعو للناس لمعرفتهم له بإجابة دعوته، فقيل له: لو دعوتَ الله لبصرك، وكان قد أضرَّ، فقال: قضاءُ الله أحبُّ إليَّ من بصري”. جامع العلوم والحكم.
من اتكل على حسن اختيار الله له، لم يتمن غير ما حصل ، فلا بد من إغلاق باب الوسوسة المحزنة إذا حصل القضاء واستسلِم لله وأحمده على ما قضى.
معايير الاختيار
طيب ما هي مجالات الاختيار، وما هي المعايير في الاختيار ؟ هذه قضية مهمة جداً، المعايير، اختيار القائد في المعركة ما هي معاييره، في قصة طالوت{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}(البقرة: من الآية247). إذاً سعة العلم في الشريعة وبأمور الحرب، والجسم، القوة مهمة في القيادة والصراع والحرب والمبارزة، ما هي معايير اختيار المسؤول عن الشيء، القائم عليه، المدير له، بناءً على ماذا رشح يوسف نفسه، {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} (يوسف:55) . 1- حفظ للأموال والأقوات من الهجر والضياع والسرقة. 2- العلم بشؤون الناس، وما يحتاجونه وكيفية التخزين وكيفية التصريف، وكيفية التوزيع وكيفية التقسيم والعدل في ذلك، وضع له سياسة كاملة لسبع سنوات والسبع التي بعدها حتى بلوغ السنة الخامسة عشرة، خطة خمس عشرية ونجحت وأنقذ الله به فئاماً من الناس، كانوا سيهلكون لو ما حصل هذا التدبير، ما هي معايير اختيار الأجير، في قصة بنتي الرجل الصالح استؤجر موسى –عليه والسلام- أجيراً في رعي الغنم، لكن تم الاختيار هذا بناءً على القوة والأمانة، {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ}(القصص: من الآية26). يرفع الصخرة، يسقي الغنم، يردها، يقودها يسقيها، {الْأَمِينُ}(القصص: من الآية26). لا يضيعها ولا يفرط فيها ولا يسرق منها ولا يبيع ويأكل ثمنها، ولذلك كان الاختيار صائباً وصحيحاً، قال عمر رضي الله عنه: “والله ما آلو-ما أقصر- أن أختار خيارَكم “. محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (2/522)
وكان حرصه على ذلك شديداً، يستخبر ويشاور، وقال يوماً للناس : أشيروا علي ودلوني على رجل استعمله في أمر قد أهمني، فإني أريد رجلاً إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم، وإذا كان فيهم وهو أميرهم كان كأنه واحد منهم .
فقالوا: هذا تنطبق على الربيع بن زياد الحارثي، فأحضره وولاه.
عندك سائق حتى المهن المسمى بمهن الدنيا والخادم، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَبي الْهَيْثَمِ : ((هَلْ لَكَ خَادِمٌ ؟)).
قَالَ: لَا.
قَالَ: ((فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌ فَأْتِنَا)).
فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَأْسَيْنِ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ.
فَأَتَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((اخْتَرْ مِنْهُمَا)).
فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ اخْتَرْ لِي. – أنت أبصر مني وأعلم، واختيارك لي أحسن من اختياري لنفسي -
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ، خُذْ هَذَا فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي، وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفًا)) الترمذي (2369) وصححه الألباني.
أمثلة في الاختيارات
1.معايير اختيار الزوجة
ما هي معايير اختيار الزوجة ؟ بعض الناس عشوائي، وبعض الناس على الأجمل، وبعض الناس على الحسب.
1-ذات الدين والخلق،{فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ}(النساء: من الآية34). ولو غاب عنها زوجها، {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ}(النور: من الآية32) . ((فاظفر بذات الدين تربت يداك)) .
2 – الودود الولود .
3- أن تكون بكراً، تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك، ترضى باليسير، ما سبق لها علاقة بالرجال، فهي عندها قناعة بالزوج هذا وبما عنده أكثر من التي جربت، وإذا كان اختيار الثيب فيه مصلحة أعلى، كما اختار جابر ثيبًا لمصلحة القيام على أخواته السبع فهذا هو الأرجح بحقه، وأيضاً أن يرتضي شكلها، التي تسره إذا نظر، يعني بشوشة، يعني مسفرة الوجه، تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره .ولذلك قال ((انْظُرْ إِلَيْهَا)) الترمذي (1087) وصححه الألباني.
قال ابن حجر:” يُؤْخَذ مِنْهُ اِسْتِحْبَاب تَزَوُّج الْجَمِيلَة إِلَّا إِنْ تُعَارِض الْجَمِيلَةُ الْغَيْرَ دَيِّنَة وَالْغَيْرُ جَمِيلَة الدِّينَةَ , نَعَمْ لَوْ تَسَاوَتَا فِي الدِّين فَالْجَمِيلَة أَوْلَى “.
أن تكون من عائلة كريمة العنصر طيبة الأرومة والأصل، لأن هذا في الغالب سيكون الاختيار الأمثل، ((تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ)) ابن ماجه (1968). وحسنه الألباني وضعفه أكثر العلماء.، هذه المرأة التي تستودع فيها النطفة لتكون جنيناً، فيخرج ولداًَ بإذن الله .
قال أكثم بن صيفي: “فإن المناكح الكريمة مدرجة للشرف” .
أن تكون صاحبة خلق عفيفة محتشمة، وَأَوْصَى بَعْضُ الْأَعْرَابِ ابْنَهُ فِي التَّزَوُّجِ فَقَالَ : إيَّاكَ وَالْحَنَّانَةَ، وَالْمَنَّانَةَ، وَالْأَنَّانَةَ، وَالْحَدَّاقَةِ، وَالْبَرَّاقَةِ، وَالشَّدَّاقَةِ، وَالْمِمْرَاضَةِ .
فَالْحَنَّانَةُ: الَّتِي لَهَا وَلَدٌ تَحِنُّ إلَيْهِ . – لزوج سابق -
وَالْمَنَّانَةُ: الَّتِي تَمُنُّ عَلَى الزَّوْجِ بِمَا تَفْعَلُهُ.
وَالْأَنَّانَةُ: كَثِيرَةُ الْأَنِينِ والشكوى .
وَالْحَدَّاقَةُ: الَّتِي تَسْرِقُ كُلَّ شَيْءٍ بِحَدَقَتِهَا وَتُكَلِّفُ الزَّوْجَ . [فتتسع حدقة عينيها فتشتهيه، وتُلحُّ على الزوج ليشتريه].
وَالْبَرَّاقَةُ: الَّتِي تَشْتَغِلُ غَالِبَ أَوْقَاتِهَا بِبَرِيقِ وَجْهِهَا وَتَحْسِينِهِ. أدب الدنيا والدين صـ 196، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (14/369).
وكذلك فإن الشداقة المتفاصحة المشتدقة على زوجها بالكلام، والممراضة كثرة مدعية المرض لا تشتغل في البيت ولا تعمل شيئاً.
وينبغي على الزوجة أيضاً حسن الاختيار في الزوج، توافق عليه أو لا، بناءً على ماذا ؟ أحياناً يتقدم لها أكثر من واحد . جاءت فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فقالت: إنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا الْجَهْمِ خَطَبَانِي ؟ ماذا تختار ؟ أحياناً يتقدم خاطب للناس، ولا يدري أن خاطب تقدم قبله، أو يتقدمان في وقت واحد – َقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَمَّا أَبُو الْجَهْمِ فَلا يَضَعُ عَصَاهُ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ)).
قالت: فَكَرِهْتُهُ، فَقَالَ: ((انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ))، – مع أنه كان أسوداً مولىً عبداً، هو مولى ابن مولى – فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ لِي فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْتُ). مسلم(1480)
كثيراً ما كان سوء الاختيار سبباً للطلاق، وأكثر الطلاق يقع في السنة الأولى من الزواج، بسبب واضح في فشل الاختيار، 77% من الطلاق في العالم العربي يقع قبل الإنجاب قبل أي ولد، و17% بعد إنجاب الولد الأول.
2.اختيار التخصص
اختيار التخصص في الكلية، هذه قضية صعبة وبالذات للمتخرجين من المرحلة الثانوية، ماذا تختار؟ هل ما يوافق ميولك وطباعك، الذي يمكنك أن تبدع فيه، من العوامل المرجحة رضا الوالدين ورغبة الوالدين، من العوامل المرجحة خلو التخصص من المنكرات، من العوامل المرجحة إمكانية هذا التخصص، أنك ما تصل إليه عبر رشوة أو واسطة تظلم فيه غيرك، من عوامل الترجيح مثلاً سعة الفرص في العمل بعد التخرج لأن هذه أوسع، أرغب في سوق العمل، حاجة المجتمع المسلم لهذا التخصص، مثلاً إدارة المشاريع التخصص هذا أرى أنه له أهمية كبيرة، وعندك مشاريع دعوية ومشاريع عمرانية، ومشاريع زراعية ومشاريع علمية شرعية، مشاريع تربوية مشاريع طبية، الفشل في إدارة المشاريع يكلف كثيراً في الطاقات والأموال والجهود، عند اختيار التخصص لا بد من الاهتمام بجمع المعلومات كما قلنا، ما هي طبيعة الدراسة، تسأل الذين سبقوك في هذا التخصص، ما هي إمكانية التأقلم مع هذا، بعض الناس مثلاً يكره الرياضيات، فيمكن يبحث عن تخصص ما فيه رياضيات، وقد يقع اختياره على أكثر المجالات حصولاً للنقاط بعد الدراسة، وإعطاء الوزن المناسب لكل عامل من العوامل المؤثرة في الاختيار ثم يعزم أمره ويتوكل على الله ويستخير ويقدم، أما قضية التقليد للآخرين وحب المظهر الاجتماعي والمجبر من قبل أهله، في العالم العربي من أسباب التخلف أنه يجبر كثير من الناس على دراسة تخصصات ليس لهم فيها ميول، العلماء لما تكلموا في قضية توجيه الولد، أول شيء توجهه للعلم، إذا لم ينفع ففي الجهاد، إذا لم ينفع ففي الحرفة، أخذ رجلٌ ابنه إلى الإمام أحمد قال له: يا أبا عبد الله ! هذا ابني،فنظر إليه،ودعا له بالبركة، وقال: ألْزِمه السوقَ، وجنبه أقرانه. رواه الخلال في الحث على التجارة، ص 29 . هذا لا يصلح أن يكون معه قرناء، هذا ممكن أن يكون شخصاً عصامياً، وقد يضيع وقته، وقد لا يصلح في العلم وغيره مما هو أعلى، فسينفع في التجارة.
3.اختيار المسكن والجوار
لما نأتي مثلاً إلى قضية اختيار المسكن والجوار، هذه من أصعب الأشياء، تختار مسكناً بناءً على ماذا، أن يتوفر فيه الوقاية من الشمس والحر والبرد والغبار والأخطار والهوام، {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} (النحل:81). الستر ليس مكشوفاً من قبل الجيران، يستر ساكنيه، قال شيخ الإسلام في قضية الاستئذان : :” َبَيْتُ الرَّجُلِ يَسْتُرُ بَدَنَهُ كَمَا تَسْتُرُهُ ثِيَابُهُ وَقَدْ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ غَضَّ الْبَصَرِ وَحِفْظَ الْفَرْجِ بَعْدَ آيَةِ الِاسْتِئْذَانِ وَذَلِكَ أَنَّ الْبُيُوتَ سُتْرَةٌ كَالثِّيَابِ الَّتِي عَلَى الْبَدَنِ” . مجموع الفتاوى (15/379).
أن يكون فيه نوع من التحصين والحماية ضد السرّاق، أن يكون بجانب قوم صالحين هذه قضية مهمة جداً، أن يكون قريباً من المسجد حتى لا يتكاسل عن صلاة الجماعة، أن تكون الدار واسعةً كثيرة المرافق، كما جاء في الحديث: ((مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ: الْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ)) أحمد (14947) وصححه الألباني. وفي رواية : ((الدار الواسعة كثيرة المرافق)) وقال : ((خير المجالس أوسعها)) تستوعب الضيوف، مما ينبغي مراعاته عند بناء المسكن قضية الجار، وبعض الناس عندهم تفكير في اختيار عدة أراضي في مكان واحد لهم ولأصحابهم ولأقاربهم.
4.اختيار الصديق والصاحب
اختيار الصديق والصاحب بناءً على ماذا؟ ولما قال : ((الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ)) أحمد (7968)، وحسنه الألباني.
هذه قضية الدين رقم واحد، لا تصاحب إلا مؤمناً، لأن الطباع سرّاقة، صحبة الأخيار تورث الخير، وصحبة الأشرار تورث الشر.
الحذر من صحبة الأحمق، لا بد أن يكون عاقلا،ً لا بد أن يكون طائعاً، لا بد أن يكون كتوماً للسر، تختار من تودع عنده الأسرار، والقاضي والمفتي، والداعية والمستشار والصديق والطبيب ورجل الأمن والمدرس الخصوصي والمحاسب وموظف المصرف والسائق والخادمة، هؤلاء يطلعون على أسرار عظيمة، لمقتضى المهنة والحاجة وحفظ الأمانة واجب .
قال الماوردي رحمه الله :” وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ الْأَسْرَارِ مَا لَا يُسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ مُطَالَعَةِ صَدِيقٍ مُسَاهِمٍ، وَاسْتِشَارَةِ نَاصِحٍ مُسَالِمٍ .
فَلْيَخْتَرْ الْعَاقِلُ لِسِرِّهِ أَمِينًا إنْ لَمْ يَجِدْ إلَى كَتْمِهِ سَبِيلًا، وَلْيَتَحَرَّ فِي اخْتِيَارِ مَنْ يَأْتَمِنُهُ عَلَيْهِ وَيَسْتَوْدِعُهُ إيَّاهُ ، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ كَانَ عَلَى الْأَمْوَالِ أَمِينًا كَانَ عَلَى الْأَسْرَارِ مُؤْتَمَنًا .
وَالْعِفَّةُ عَنْ الْأَمْوَالِ أَيْسَرُ مِنْ الْعِفَّةِ عَنْ إذَاعَةِ الْأَسْرَارِ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُذِيعَ سِرَّ نَفْسِهِ بِبَادِرَةِ لِسَانِهِ، وَسَقَطِ كَلَامِهِ، وَيَشُحُّ بِالْيَسِيرِ مِنْ مَالِهِ، حِفْظًا لَهُ وَضَنًّا بِهِ، وَلَا يَرَى مَا أَذَاعَ مِنْ سِرِّهِ كَبِيرًا فِي جَنْبِ مَا حَفِظَهُ مِنْ يَسِيرِ مَالِهِ مَعَ عِظَمِ الضَّرَرِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ .
فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ أُمَنَاءُ الْأَسْرَارِ أَشَدَّ تَعَذُّرًا وَأَقَلَّ وُجُودًا مِنْ أُمَنَاءِ الْأَمْوَالِ .
وَكَانَ حِفْظُ الْمَالِ أَيْسَرَ مِنْ كَتْمِ الْأَسْرَارِ ؛ لِأَنَّ إحْرَازَ الْأَمْوَالِ مَنِيعَةٌ وَإِحْرَازَ الْأَسْرَارِ بَارِزَةٌ يُذِيعُهَا لِسَانٌ نَاطِقٌ، وَيُشِيعُهَا كَلَامٌ سَابِقٌ .
وَمِنْ صِفَاتِ أَمِينِ السِّرِّ: أَنْ يَكُونَ ذَا عَقْلٍ صَادٍّ، وَدِينٍ حَاجِزٍ، وَنُصْحٍ مَبْذُولٍ، وَوُدٍّ مَوْفُورٍ، وَكَتُومًا بِالطَّبْعِ “. أدب الدنيا والدين (1 / 388) .
5.اختيار أسماء المواليد
في عالم اختيار الأسماء؛ أسماء المواليد، الاسم الشرعي الذي يحبه الله يُقدّم، وأسماء الأنبياء والصحابة والصالحين، حسن المبنى وحسن المعنى، وأن يكون خفيفاً قليل عدد الحروف، النطق به على اللسان سهل، مراعاة المناداة به، ليسمع السامع، مراعاة الملائمة، يعني هل يلائم هذا الولد، هذا في أهل طبقته ومرتبته، هذا الاسم سيلازمه طول حياته، وممكن يكون مناسباً له الآن وهو طفل، لكن إذا كبر أو صار جداً، لن يكون مناسباً، وبعضهم عندهم الأسماء الرخوة وأسماء الدلع وميمي وفوفو وزوزو وعوعو، وبعضهم عندهم الأسماء الأجنبية، و ليزا ومونليزا، وبعضهم أسماء الشياطين وبعضهم أسماء من هب ودب، وأين أسماء المعبدة لله، وأين أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأين أصدق الأسماء حارث وهمام .
6.اختيار الكتب للقراءة
إذا أتينا لقضية اختيار الكتب، ماذا تقرأ، والله أنها أمانة، الذين يعرفون كيف يقرؤون هم الذين يقودون، تقرأ للأكابر من أهل العلم، الفضلاء الموثوق بدينه، لا تقرأ أي شيء، لا تقرأ للمشبوهين إلا للرد عليهم إذا كنت من أهل العلم، لا تعتمد سياسة القراءة للقراءة، لا بد من استعمال فقه الموازنات، ومراعاة المصالح، ما هي الكتب الأكثر فائدة، ما هو الكتاب الذي ينفعك في دينك ودنياك، اعتني بالواجب، أحياناً تحتاج أن تقرأ عن الصيام في رمضان والحج إذا أردت الحج ونحو ذلك، هذا مراعاة لواجب الوقت، ليس كل شيء مطبوع موثوق.
7.اختيار أطايب الكلام
إذا جئت إلى قضية اختيار الكلام في المخاطبة اختيار الكلمات عند كتابة الرسالة، {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}(الزمر: من الآية18). يأخذ الأقرب إلى مرضاة الله، حتى لما يخاطب الناس وإخوانه ينتقي أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر، أكتب أحسن ما تسمع، وأحفظ أحسن ما تكتب، وتكلم بأحسن ما تحفظ. هذه وصية أبو حاتم الرازي لولده .
وهذا يجنب مزالق، لما جاء عمر رضي الله عنه على ناس أوقدوا ناراً في الليل،، فقال: السلام عليكم يا أهل الضوء، ولم يقل السلام عليكم يا أهل النار .
وَسُئِلَ الْعَبَّاسُ: أَنْتَ أَكْبَرُ أَمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : هُوَ أَكْبَرُ مِنِّي، وَأَنَا وُلِدْت قَبْلَهُ . الطرق الحكمية (1/62)
((لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي)) البخاري ومسلم.
ماذا يعني َخَبُثَتْ وَلَقِسَتْ ؟ : غَثَّتْ .
كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَفْظَ ” الْخُبْثِ ” لِبَشَاعَتِهِ، وَأَرْشَدَهُمْ ((لقست نفسي)) اختار الألفاظ السالمة بمحاذير .
{ لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا }(البقرة: من الآية104) .
َكَانَ لِبَعْضِ الْقُضَاةِ جَلِيسٌ أَعْمَى، وَكَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنْهَضَ يَقُولُ: يَا غُلَامُ، اذْهَبْ مَعَ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَلَا يَقُولُ : خُذْ بِيَدِهِ، قَالَ : وَاَللَّهِ مَا أَخَلَّ بِهَا مَرَّةً. الطرق الحكمية (1/62)
سأل أحد الْخُلَفَاءِ رَجُلًا عَنْ اسْمِهِ ؟
فَقَالَ : سَعْدٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ : أَيُّ السُّعُودِ أَنْتَ ؟
قَالَ : سَعْدُ السُّعُودِ لَك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَعْدٌ الذَّابِحُ لِأَعْدَائِك، وَسَعْدٌ بَلَعَ عَلَى سِمَاطِك، وَسَعْدُ الْأَخْبِيَةِ لِسِرِّك.
فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ. الطرق الحكمية (1/62)، طبعاً هذه أسماء المنازل المتعلقة بالفصول .
8.اختيار المرسَل والوافد
أحياناً يحتاج الإنسان أن يختار من يرسله، فأرسل حكيماً ولا توصه، ولا يكون كوافد عاد، الذي جاءت قصته في الحديث الحسن الذي رواه احمد والترمذي، لما قحطت عاد وبعثوا وافداً لهم مر بمعاوية بن بكر أقام عنده شهر يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان، فلما مضى الشهر خرج إلى جبال تهامة، فنادى ( أنظر إلى وقاحته في سوء أدبه في الدعاء ) : اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَجِئْ إِلَى مَرِيضٍ فَأُدَاوِيَهُ، وَلا إِلَى أَسِيرٍ فَأُفَادِيَهُ، اللَّهُمَّ اسْقِ عَادًا مَا كُنْتَ تَسْقِيهِ ! ما طلب سقيا رحمة .
فَمَرَّتْ بِهِ سَحَابَاتٌ، فَنُودِيَ مِنْهَا: اخْتَرْ، فَأَوْمَأَ إِلَى سَحَابَةٍ مِنْهَا سَوْدَاءَ [ما أحسن الاختيار]، فَنُودِيَ مِنْهَا: خُذْهَا رَمَادًا رِمْدِداً [أدق ما يكون الرماد] لا تُبْقِ مِنْ عَادٍ أَحَداً !
قَالَ: فَمَا بَلَغَنِي أَنَّهُ بُعِثَ عَلَيْهِمْ مِنْ الرِّيحِ إِلَّا قَدْرَ مَا يَجْرِي فِي خَاتِمِي هَذَا، حَتَّى هَلَكُوا.
قَالَ: فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ وَالرَّجُلُ إِذَا بَعَثُوا وَافِدًا لَهُمْ قَالُوا لَا تَكُنْ كَوَافِدِ عَادٍ ). رواه أحمد (3/482) والترمذي (3273) و (3274) وحسنه الألباني.
سوء أدب في الدعاء، وكفر وسوء عمل في الخمر والغناء، ثم سوء الاختيار للسحابة السوداء فكان الهلاك.
9.اختيار المفتي والعالم
نحن نحتاج اليوم أيها الأخوة في قضية اختيار المفتي والعالم، فوضى الفتوى الضاربة أطنابها اليوم في العالم، {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}(النحل: من الآية43). لا يصلح استفتاء جاهل، ولا من يخاف الله، ولا من عرف بالرخص والتساهل، إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. مقدمة صحيح مسلم. حتى في السؤال، حسن اختيار السؤال نصف العلم، جاء واحد للشعبي وقال: إني خبأت لك مسائل، فقال: خبّئها لإبليس حتى تلقاه، فتسأله عنها ). ” الآداب الشرعية ” لابن مفلح (2/82) .
وينبغي للعبد أن يحسن اختيار القربى التي يتقرب بها إلى الله، ويستعين بالله ((اللهم أعني عن ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)) .
قال ابن تيمية: “من الناس من لا يصلح له الأفضل، بل يكون فعله للمفضول أنفع، كمن ينتفع بالدعاء دون الذكر، أو بالذكر دون القراءة، أو بالقراءة دون صلاة التطوع.
فالعبادة التي ينتفع بها فيحضر لها قلبه، ويرغب فيها ويحبها أفضل من عبادة يفعلها مع الغفلة وعدم الرغبة “. مجموع الفتاوى، لابن تيمية : 22/347-348 .
أشياء لا اختيار لنا فيها
هناك أشياء لا اختيار لنا فيها، الصفات التي نُخلق عليها،قال تعالى {هو يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ}(آل عمران: من الآية6) . ليس كما تشاءون، هو اختار ذكراً أنثى طويلاً قصيراً أبيض أسود، ولذلك علمنا الأدب {ولا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ}(النساء: من الآية32). وحتى الأنثى ما تتمنى أن تكون رجلا، يا ليتني رجلاً لأفعل وأفعل، تستلم لأمر الله، في الصدر الأول ربما حصل عند بعض النساء تمني أن كانت رجلاً لتجاهد وتقوم بهذه المهام، المهام الكبيرة، وأما في عصرنا انظر الدناءة إذا نزلت إلى مستوى، يقول : يا ليتني امرأةً حتى أكون جميلاً،{وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ } (32) سورة النساء، عدم القناعة أيها الأخوة بما قسم الله من الرزق وفي الشكل وحتى الذكورة والأنوثة، الآن يعملون عمليات تحويل جنس، ما هو مقتنع بجنسه، قضية التحمير والتصفير والتبييض والتسمير والنفخ لماذا ؟ التكبير والتصغير، لا يوجد اقتناع بالخلقة، وسيل من العمليات الجراحية التي تستنزف الأموال وتكون وبالاً على صحة أصحابها، فإذاً في الأشياء التي لا اختيار لنا مهما جاء الاختيار فليس لنا إلا الاستسلام والتسليم والقناعة والرضا، مثل الصفات التي خلق الله عليها.
ثانياً: أقدار الله التي تنزل من الحوادث والجوائح والمصائب،{وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}(التغابن: من الآية11) .
ثالثاً:الرزق إذا ضُيق عليه، الأجل :هذه عند الله، {لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ}(لأعراف: من الآية34).
ثم أيضاً أحكام الشريعة، مالنا فيها خيار، نرفض أو نوافق، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}(الأحزاب: من الآية36). ما فيه إلا التسليم، {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(النساء: من الآية65).
حرية الاختيار بابٌ ولج منه أعداء الدين
حرية الاختيار بالمناسبة باب ولج منه أعداؤنا، فيقول: لا تلزم الناس بشيء، هذا المسجد وهذه الخمارة، الذي يريد المسجد يروح المسجد والذي يريد الخمارة يروح للخمارة، لا تلزم ولدك بالخير، لا تلزم الشاب بكذا، طيب أين التربية أين النصيحة أين التوجيه أين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ترك الناس بأهوائهم يهلكهم، {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}(الأنعام: من الآية116).
قال تعالى :{فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ }(القصص: من الآية50) .
ولذلك ما يستغني الواحد عن التوجيه والنصح والموعظة، بل والإلزام وأحياناً التأديب والعقوبة والردع، ومن جعل قضية الاختيار للناس،{فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}(الكهف: من الآية29) معناها، إذا تريد تكفر اكفر، ما فيه مانع، كما قال بعضهم من الضالين في القنوات الفضائية، من سياسات الإفساد التي يحسنها أعداؤنا أنهم أحياناً يجعلونك تختار لكن كل الخيارات سيئة، كلها أسوء من بعض، هذه المهارة يتقنها اليهود وأشرار العالم، يجعلون عندك حس الاختيار، عندك إرادة وأنت تختار لكن ماذا تختار ؟ القنوات كلها سيئة، فلذلك يدعون اليوم إلى قضية حرية الاختيار في الأديان، تختار أن تكون يهودياً أو نصرانياً أو بوذياً أو مجوسياً أو هندوسياً أو مسلماً، ثم جاءت الدعوة إلى حرية اختيار المذاهب البدعية والسنية، ثم قضية الطاعة والمعصية، تختار المسجد أو تختار ملهى،
لا يخدعنَّك عن دين الهُدى نَفـَرٌ ** لم يُرزَقُوا في التماس الحق تأييدا
عُمْي القلوب عَرُوا عن كل فائدةٍ ** لأنهـم كفروا باللـه تقليـداً
فقضية الاختيار المطلق هذا يؤدي إلى الفساد، من الطرق المنحرفة في الاختيار أن يعرض بعضهم الأقوال الفقهية الراجح والمرجوع والصح والخطأ، ويقول للناس اختاروا، هذه المسألة فيها خمسة أقوال، القول الأول الثاني الثالث الرابع الخامس، هؤلاء عوام، ماذا سيستفيدون، يقول يختاروا، هذا عامي الآن شغلته أن يختار هو من الأقوال الفقهية، العامي يسأل العالم فيحدد له قولاً يتبعه، لكن بعض الناس اليوم يريدونها انفلاتاً، أنا أعرض لك الأقوال وأنت تختار، ولذلك بعض المفتين في القنوات الفضائية لا يحسنون الفتوى، ومن سيئاتهم هذا الموضوع، تريده أن يختار؟ بناءً على ماذا؟ على الهوى والتشهي، على الأسهل؟ أنت تدله على الحق الذي تعرفه، وأن كنت لا تعرفه تقول لا أدري .
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا وإياكم على الحق ثابتين، وأن يحيينا مسلمين ويتوفانا مؤمنين، ويلحقنا بالصالحين، ونسأله أن يختار لنا الأصلح في ديننا ودنيانا، أنه سميع مجيب قريب، وصلى الله على نبينا محمد .

رحمه الله بعباده – امطار الخير والبركة -

في يوم الاربعاء الخامس والعشرين من شهر جماد أول 1430 هـ سقطت زخات

من المطر مصحوبة بحبيبات البرد على مدينتي جعلها الله سقيا رحمه لعباده.

قصة الإعرابي والدجال يرويها الشيخ عائض القرني

نبيل العوضي عذاب القبر و نعيمه

الرجوع للمعصيه بعد التوبه والفتور والانتكاس لنبيل العوضي

بعض الدعوات المستجابات

1ـ دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة :

عن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : ( ما من مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك الموكل ولك بمثل ) (1) رواه مسلم .

2) دعوة المظلوم :

حيث بعث الرسول صلى الله عليه وسلم معاذا الى اليمن قال له :

( واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب )(2) رواه البخاري .

3) دعوة الوالد أو على ولده .

4) دعوة المسافر :

عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

” ثلاث دعوات يستجاب لهن لاشك فيهن : دعوة المظلوم ، ودعوة المسافر ، ودعوة الوالد لولد ه “(3) الترمذي وغيره ، وحسنه الألباني.

5) دعوة الصائم عند فطره ، ودعوة الإمام العادل ودعوة المظلوم :

عن أبي هريرة يرفعه :

( ثلاثة لا ترد دعوتهم : الصائم حتى يفطر ، والإمام العادل ، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ، ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب : وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين ) (4) الترمذي وغيره وصححه الألباني .

6) دعوة الولد الصالح :

لحديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ

” إذا مات الإنسان انقطع عمله الا من ثلاث : الا من صدقة جارية أو علم ينتفع به او ولد صالح يدعو له ) (5) رواه مسلم .

7) دعوة المضطر :

قال ـ تعالى : ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ) النمل : 62 .”

8) من بات طاهرا على ذكر الله :

عن معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

ما من مسلم يبيت على ذكر الله طاهرا ، فيتعار من الليل ، فيسأل الله خيرا من الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه ) (1) أبو داود وأحمد وصححه الألباني .

9) دعوة من دعا بدعوة ذي النون :

عن سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت لا اله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له ” (2) الترمذي وغيره وصححه الألباني.

10 ) دعوة المستيقظ من النوم :

ودعاؤك بالمأثور عن عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من تعار من الليل فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، الحمد لله ، وسبحان الله ، ولا اله الا الله ، والله اكبر ، ولا حول ولا قوة الا بالله ، ثم قال اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له ، فان عزم وتوضأ قبلت صلاته ” (3) البخاري وغيره .

11) دعوت الولد البار بوالديه :

عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

” إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول : يا رب أني لي هذا ؟

فيقول : باستغفار ولدك لك “(4) أخرجه احمد وصحح إسناده ابن كثير .

12) دعوة الحاج والمعتمر والغازي في سبيل الله :

لحديث ابن عمرـ رضي الله عنهما ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

” الغازي في سبيل الله ، والحاج ، والمعتمر وفد الله ، دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم ” (1) رواه ابن ماجة وحسنه الالباني .

13) دعوة الذاكر الله كثيرا :

عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

” ثلاثة لا يرد دعاؤهم : الذاكر لله كثيرا ، ودعوة المظلوم ، والإمام المقسط ” (2) رواه البيهقي والطبراني وحسنه الالباني .

14) دعوة من أحبه الله ورضي عنه :

عن ابي هريرة ـ رضي الله ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

” إن الله ـ تعالى ـ قال : من عادى لي وليا فقد اذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذتي لأعيذنه ، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن ، يكره الموت وأكره مساءته ” (3) رواه البخاري .

نوعا الدعاء والعلاقة بينهما

الدعاء الذي حثَّ الله عليه في كتابه، ووعد المخلصين فيه بجزيل ثوابه، نوعان: دعاء المسألة، ودعاء العبادة – انظر: النبوات (ص136).

أما دعاء المسألة فهو: طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضره ودفعه – انظر: مجموع الفتاوى (15/10)، بدائع الفوائد (3/2).

وأما دعاء العبادة فهو: التقرب إلى الله بجميع أنواع العبادة، الظاهرة والباطنة، من الأقوال والأعمال، والنيات والتروك، التي تملأ القلوب بعظمة الله وجلاله – انظر: تصحيح الدعاء (ص17).

قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: “كل ما ورد في القرآن من الأمر بالدعاء, والنهي عن دعاء غير الله, والثناء على الداعين، يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة, وهذه قاعدة نافعة؛ فإن أكثر الناس إنما يتبادر لهم من لفظ الدعاء والدعوة دعاءُ المسألة فقط, ولا يظنون دخول جميع العبادات في الدعاء, وهذا خطأ جرهم إلى ما هو شر منه” – القواعد الحسان (ص154- 155).

العلاقة بين النوعين:

دعاء المسألة ودعاء العبادة متلازمان؛ وذلك من وجهين:

الأول: من جهة الداعي : فإن دعاءه بنوعيه مبني على الخوف والرجاء.

قال ابن تيمية: “وكل سائل راغب وراهب، فهو عابد للمسؤول، وكل عابد له فهو أيضا راغب وراهب، يرجو رحمته ويخاف عذابه، فكل عابد سائل، وكل سائل عابد، فأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه، ولكن إذا جمع بينهما فإنه يراد بالسائل الذي يطلب جلب المنفعة ودفع المضرة بصيغ السؤال والطلب، ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر، وإن لم يكن في ذلك صيغ سؤال. والعابد الذي يريد وجه الله والنظر إليه، هو أيضا راج خائف راغب راهب، يرغب في حصول مراده، ويرهب من فواته، قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَبا} [الأنبياء:90]، وقال تعالى: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً} [السجدة:16]، ولا يتصور أن يخلو داع لله ـ دعاء عبادة أو دعاء مسألة ـ من الرغب والرهب، من الخوف والطمع” – مجموع الفتاوى (10/239-240).

والثاني: من جهة المدعو: فإنه لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر.

قال ابن القيم: “كل من يملك الضر والنفع، فإنه هو المعبود حقا، والمعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر، ولهذا أنكر الله تعالى على من عبد من دونه ما لا يملك ضرا ولا نفعا، وذلك كثير في القرآن، كقوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} [يونس:18]، وقوله تعالى: {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ} [يونس:106]، وقوله تعالى: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} [المائدة:76]، وقوله تعالى: {أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ * أُفّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [الأنبياء:66]، وقوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرٰهِيمَ * إِذْ قَالَ لأِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَـٰكِفِين * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} [الشعراء:69-73]، وقوله تعالى: {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءالِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَـوٰةً وَلاَ نُشُوراً} [الفرقان:3]، وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ وَكَانَ ٱلْكَـٰفِرُ عَلَىٰ رَبّهِ ظَهِيراً} [الفرقان:55]، فنفى سبحانه عن هؤلاء المعبودين من دونه النفع والضر، القاصر والمتعدي، فلا يملكونه لأنفسهم ولا لعابديهم، وهذا في القرآن كثير، بيد أن المعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر، فهو يدعى للنفع والضر دعاء المسألة، ويدعى خوفا ورجاء دعاء العبادة، فعلم أن النوعين متلازمان، فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة” – بدائع الفوائد (3/2-3).

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.